العلوم والتكنولوجيا والحضارة الإنسانيّة في عصر الأنثروبوسين

الاكتشافات العلميّة والتطورات التكنولوجيّة تحمل في ثناياها قدرات ثورية كامنة، وقد غيّرت على امتداد التاريخ واقع الإنسان المعيشي. في أيامنا هذه وصلت القوة الثّورية للعلوم والتكنولوجيا ذروة جديدة؛ وأصبحت البصمة البشرية على محيطها الطبيعي العلامة المميزة لعصرنا. التصنيع والتحريش واستخدام القوّة الذرية، واختراع تكنولوجيّات تكاثر جديدة، والثورة في مجال علم العقاقير، ومسوح المحتوى الوراثيّ (جينوم)، كل هذه غيض من فيض قوى التغيير التي تملكها العلوم والتكنولوجيا في هذه الأيام، وقد وصل تأثير التكنولوجيا الإنسانية على الطبيعة درجة دفعت علماء الجيولوجيا في الآونة الأخيرة إلى عرض فكرة مفادها انّنا نعيش في عصر جيولوجيّ جديد – الانثروبوسين، أي عصر الإنسان.

 

يتميّز الانثروبوسين بتسارع وتعاظم القدرة البشرية على تغير البيئة الإيكولوجيّة للكرة الأرضية برّمتها. الاحتباس الحراري وذوبان المثالج (الكتل الجليدية الضخمة) يشكلان أبرز مميزات عصر الأنثروبوسين، لكن التغييرات المنبثقة عن تطوير القدرات التكنولوجيّة لا تقتصر على البيئة الإيكولوجية بل تطال الطبيعة البشريّة نفسها. فها هي علوم الدماغ- على سبيل المثال- تعرض علينا قراءة جديدة للمشاعر، وحتى للتّصوّرات والمفاهيم الأخلاقيّة؛ والمعارف الجينية ما انفكّت تطرح تحدّيات جِديّة على مفهوم الأنساب والقرابة، وعلى مفهوم الذات؛ والفضاءات المتخيّلة تخلط بين الواقع وخلق الواقع. نحن ندير علاقات مع أغراض "ذكيّة"، وتقوم ثورة الاتصالات بتزويدنا بالمعلومات دونما انقطاع، ونحن ندرك أنّ ثمة تراجع متواصل في قدرتنا في المحافظة على خصوصيتنا بسبب قيام الأغراض الذكية بتعقّبنا طوال الوقت. وبيئتنا المنزلية والمدينية تنبني بواسطة التعقّب والتحليل والتواصل بين الاغراض التي اعتُبرَت يوما ما جمادا. هذا غيض من فيض الأمثلة التي غيرت أنظمة الحياة البشرية في عصر الأنثروبوسين. الادعاء المركزي الذي يطرح هنا هو أنّ الانثروبوسين لا يقتصر على تغيير أنظمة العالم على مستوى المنظومة الإيكولوجيّة العالمية فحسب، بل إن الحديث يدور عن عصر تغيّر فيه التكنولوجيا والعلوم طرائق الحياة والمفاهيم الأساسيّة للعصر الحديث تغييرا جذريا. في هذا العصر يتغير حتّى مفهوم الحضارة ويأخذ بالاتساع ليشمل - الى جانب بني البشر- أغراضا ذكيّة وكيانات متخليّة من ناحية، ومكانة جديدة لمخلوقات الطبيعة نحو الحيوانات والنباتات من الناحية الأخرى.

 

ما هي الاستحقاقات المعياريّة للحياة في عصر الانثروبوسين؟ في مقابل تعاظم القدرات التكنولوجية وتطورها، نمت منظومات أخلاقيّة وسياسيّة تسعى إلى خلق أطر معياريّة لاستخدام التكنولوجيات المتطوّرة. وحتى الاكتشافات والمعارف العلمية تخضع لرقابة وتأطير التفسيرات المختلفة. هكذا على سبيل المثال تحول النشوء إلى مسألة خلافية، وكذلك الأبحاث في مجال الخلايا الجذعية وتكنولوجيات اصطفاء القدرات البشريّة. تغيير النُظم العالمية بواسطة تكنولوجيّات متطوّرة يعزز الضبابية والخوف من المستقبل المجهول. هذا الخوف يتجسد من خلال رسم الحدود بين البعد الادائيّ للتكنولوجيا وبين التصوّرات الاخلاقية.

عصر الانثروبوسين لا يتجسد إذا في قدرة الإنسان على ابتكار تكنولوجيات تغيّر نظم الحياة الأساسية فحسب، بل كذلك في مساعي ترويض وكبح جماح هذه القوى العلميّة والتكنولوجية. هذا الصراع يتّصل بالقوة الحضارية، وهي القوة التي تنظّم العلاقة بين ما هو العلميّ والتكنولوجيّ والاجتماعي. من وجهة النظر هذه فإنّ اهتمامنا بالعلم والتكنولوجيا والحضارة هو -بدرجة كبيرة- اهتمام بالقضايا السياسية للعلاقات المتبادلة داخل هذا المثلث.

 

تعتبر إسرائيل حالة ملفتة بكل ما يتعلق بفحص العلاقات المتبادلة بين العلم والتكنولوجيا والحضارة. بداية نشير إلى أن إسرائيل خاضت عملية بناء الأمة عبر إظهار قوّة التكنولوجيا والعلم ووظفتهما في سبيل الاستيلاء على المحيط وتغييره، وهي تفتخر بمشاريعها في مجال التكنولوجيا المتطورة، وتحتل ترتيبا عاليا في مؤشّرات التطوير والبحث العلميّ. لكن إسرائيل تختلف عن الدول الليبرالية الديمقراطية الأخرى التي تسعى لتحقيق التميز العلمي والتكنولوجي لأسباب عدة ومن بينها السياق العسكري البارز لتدريب وتأهيل المبادرين في مجال الهاي-تيك؛ وتسييس التكنولوجيات الطبيّة، لا سيما تلك المتعلقة ببداية الحياة ونهايتها؛ والصراع القومي المتواصل؛ والنظام السياسيّ في إسرائيل الذي يراوح بين تفضيل الأبعاد البراغماتية للمجتمع المحلي، اليهودي في أساسه، وبين السعي لتحقيق قيم كونية تميّز المجتمعات السياسية الليبرالية. كل هذه تحوّل مسألة العلاقة بين العلم والتكنولوجيا والحضارة في إسرائيل إلى مسألة مشوّقة ومثيرة للاهتمام.

 

يتناول عنقود "العلم" والتكنولوجيا والحضارة –فيما يتناول- الأسئلة التالية:

  •  مكانة العلم والتكنولوجيا في إعادة تصميم مفهومي "الاجتماعيّ" وَ "الذاتي"، لا سيّما بما يتعلّق بالتطوّرات في مجال علم الوراثة والتكنولوجيّات الطبيّة المتطوّرة.
  •  توسيع نطاق مفهوم الحضارة ليشمل كيانات غير بشريّة نحو الأغراض الذكيّة والكيانات المتخيّلة، والحيوانات والمخلوقات الطبيعية الأخرى.
  •  أسئلة حول العلاقة بين بيوس (Bios) والأخلاق ونقد اخلاقيات البيولوجيا
  • إعادة صياغة مفاهيم علاقات المحيط- الحضارة على ضوء التغييرات المناخية.
  • مكانة العلوم والتكنولوجيا في النظام السياسي الجديد
  • علاقة العلم والتكنولوجيا مع الدين.
  • التغيرات المناخية والنظام المعياري الجديد.
  • التغييرات التي تطرحها الاكتشافات العلمية والتطورات التكنولوجية للمفاهيم الأساسيّة للنّظام الحديث.
  • تبلور أنماط سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة للعلم والتكنولوجيا والحضارة في إسرائيل.