القدسيّة، الدين، والعَلمَنة

ما هو مكان مصطلحات القدسيّة في عالم تخضع فيه مفاهيم الإنسان والحيز المكان، والجسد والمادة إلى تحوّلات سريعة؟

في محور هذه الموضوعة يقف استقصاء متجدّد لمفهوم القدسيّة، وذلك في سبيل فتح كوّة تمكّن من إجراء مراجعة جديدة لمكانة القدسيّات بأنواعها المختلفة – القدسيّات المتعدّدة (Multiple Sacrednesses) – في الثقافة المعاصرة، وللمدلولات الثقافيّة الواسعة التي تستنبَط من هذه المراجعة.

 

في المائة وخمسين عاما الأخيرة مثُل مفهوم القدسيّة في قلب الكثير من الأبحاث، حيث قام الفلاسفة بالبحث في السؤال النظريّ حول ما إذا كان بمستطاع الفرد أن يكون مقدّسا، أم أنّ القدسية هي حكر على الرب الأزليّ؛ وقام علماء الاجتماع بالبحث في القدسية كمفهوم يخلق المجتمعات أو يكتّلها؛ وقام علماء الأديان بالبحث في القدسيّة على نحو مقارّن، حيث توقفوا عند الأمور التي تقدّسها الديانات المختلفة؛ وكذلك البحث الفنومينولوجي، أي ما هي جودة تجارب القدسية بأنواعها؛ وقام الأنثروبولوجيّون أيضا بسبر أغوار القدسيّة على نحو مقارَن، حيث تمعّنوا في ممارساتها في صفوف مجتمعات دينيّة ومجتمعات قبل دينيّة، وسعوا إلى عرض تراتبية للتقدّم في مفهوم القدسيّة. خبراء علم النفس قاموا بمراجعة القدسيّة كأنموذج ومفتاح لفهم سلوك الأفراد والمجموعات؛ بينما أخضعت القدسيّة في السياسة إلى عملية إنشاء كموضوعة للاستملاك، وكأمر يقع بملكيّة أو مسؤولية جسم معيّن. هذه العمليات الاستقصائية أجريت من منظور الحداثة والعلمنة، ومن خلال افتراض وجود "أديان" عملت فيها موديلات من القدسية، أو توقفت عن العمل، أو ترجمت إلى عالم خضع لعمليّات العلمَنة. تسعى الموضوعة إلى البحث في مفاهيم القدسيّة من منظورات ما بعد العلمنة، تلك التي لا تفترض مسبقا وجود موديلات قدسيّة وثنائيّة الدين والعلمنة. هذه المنظورات لا ترى في الحداثة التي أخضعت للعلمنة أمرا بديهيا، ولا هي أسيرة لتصوّرات اللاهوتيّة السياسية.

 

كيف تجري صياغة القُدسيّات في الفضاءات المختلفة، وما هي آليات القدسيّة وكيف تعمل؟ كيف يمكن تخيّل فضاءات ما بعد العلمانية بمفاهيم القدسية؟ وما هي الترتيبات الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تتشكل في هذه الفضاءات، وما هو مكان الذات "العلمانية"، و"الدينية" فيها؟ القدسيّات التي ستُخضع لعمليّات البحث والتّقصي تشمل أنواع قدسيّة تختلف الواحدة عن الأخرى، لكنها تمارس فيما بينها علاقات متبادلة، وهاكم بعضا منها:

 

‌أ.   قدسيّات روحية: قدسيات داخل الديانات التوحيديّة، وقدسيات جرى نسخها من الدين أو ابتُكرت في إطار مفاهيم أيديولوجية، أو حكايات فوق- حداثيّة كالقوميّة، والليبراليّة والعلمانيّة.

‌ب.  قدسيّات تنبع من تصنيفات الموروث الثقافيّ، ومن تصوّرات وعادات القدسية التي تنتمي للعام السابق للعلمانية، وهي تواصل العمل بطرائق مختلفة في عالم يجري التعامل معه كعالم خضع لمسارات العلمنة (على سبيل المثال: الختان في الإسلام واليهودية، قبور القديسين، والحجب واللغة المقدسة).

‌ج.  قدسيات لا تنتمي للأعراف التوحيديّة، ولا يمكن على الدوام نسبها لمنظومة إيديولوجية تمارس الطهارة أو الرفعة القومية/ الاجتماعية/ الفردية (على سبيل المثال: القدسيّة في سياقات الوثنيّة، وقدسيّة الجسد، والطبيعة والبيئة، والقدسيّة والتفاني في سياق حميميّة الخطاب الإشفائي).

 

سيجري تحليل القدسيات من خلال تأمل تمظهراتها المختلفة في الحيّز، وفي الطقوس، والزمن والأجسام- ولن تتقيّد بنظرية معينة أو بتقسيم بين قدسيات دينيّة وقدسيّات دنيوية. إلى ذلك، لن يقتصر التحليل على النحو الذي تُنسخ فيه قدسيّات دينية إلى داخل العوالم التي أخضعت للعلمنة، ولذا سيكون بمقدور هذا التحليل المساعدة على فهم تنويعة من المكونات التي تميّز التفكير، والسياسة والثقافة في عصرنا الحالي.

 

سنسعى بواسطة مفاهيم القدسيّة بمختلف انواعها (نحو النجاسة، والطهارة، الضحيّة، والتفاني)، وطريقة إنشائها، والممارسات التي ترافقها، إلى استيضاح ما حدث عندما تتلاقى حداثيّات متعددة مع قدسيات متعدّدة تولدت داخل سياقات ثقافية ليست مسيحية أو توحيدية بالذات: ماذا كان الحاصل؟ وكيف تعمل القدسيّات التي خضعت للعلمنة نحو "قدسية الإنسان" و "قدسية الحياة" و"حقوق الإنسان"؟ وكيف تعمل الحميمية كقدسيّة؟

 

علاوة على ذلك سنسعى لاستشفاف كيف تعمل مفاهيم القدسيّة بدون مولّد القدسية- قدسية بلا ميتافيزيقا: هل يمكن عرض إعادة بناء لمصطلحات فكّرنا بها كمصطلحات "علمانية ودينية" بمساعدة فنومنولوجّيات تستَخدم مصطلحات القدسيّة التي تنبع من الموروث الثقافي؟ نقطة الانطلاق هي السياق الثيولوجيّ اليهوديّ والاسرائيليّ المتفرد ومغزاه المزدوج كحالة خاصة، وفي الوقت ذاته كحالة برادايمية يمكن من خلالها فهم العلمنة فهما مجددا. سنقوم بفحص الطريقة التي يمكّن فيها استخدام مصطلحات القدسيّة التي تستقى من المورثات المختلفة (وليس على خلفية العلمنة بالذات) من إضاءة نقاط عمياء بالنسبة للثقافة. سنقوم بذلك من خلال تأمّل مفاهيم نحو الخشوع والتقبل، وفحص التوتر بين العلمنة والتدنيس (التجديف)، وتحليل الأبعاد السياسيّة والسيكولوجيّة للقدسية والانفتاح الذي تسمح بها حركة التدنيس. هكذا على سبيل المثال تقوم العلمنة باسترجاع ونسخ التفرّد والقوة وتقدّسهما، بينما يقوم التدنيس وفق أغامبين بتفكيك الحركة وتمكينها: "إعادة للاستخدام العام لما كان محصور داخل حيز المقدس".

 

ها هي بعض المواضيع التي سنتناولها:

  • القدسية والانتماء: عندما تضفى القدسيّة على امر ما فهو يخرج عن نطاق ملكيّة الفرد (والمجموعة؟)، لكنّه يتحول لمقياس: لأجله يمكن/ يجب/ يجدر العيش والموت، والتضحية والتعرّض للتدنيس (لمن ينتمي مثلا شهداء جيش الدفاع الاسرائيلي؟)
  • القدسية والقوّة والعنف السياسي: السيادة وعلاقاتها الجدليّة مع القدسيّة؛ القوة الإشفائية لصاحب السيادة المقدّس؛ القدسيّة والشتات بدون سيادة مقابل قدسيّة التوراة والدولة؛ تقديس المجتمع المحليّ من خلال سن التشريعات.
  • القدسية، والتفكير والمغزى: كيف تعمل القدسيّات في خلق هياكل المغازي الهرمية؟
  • إغواء القدسيّة، والرغبة والخطر: جدلية الإغواء نحو المقدّس والخطر الكامن فيه، إلى جانب خطر اختفاء الرغبة عند تحقيقها واختفاء القدسية معها. كيف يجري تحقيق الرغبة كقدسيّة؟ وهل تتحقق هذه الجدلية في سياقات قدسيّات موروثة أيضا؟