حول المبادرة لإقامة مركز التخطيط الاستراتيجي في التربية (في الفترة الواقعة بين 2006–2013)

عمل مركز التخطيط الاستراتيجي في التربية في معهد فان لير في القدس في الفترة الواقعة بين 2006 وَ 2013، ورمى إلى تحقيق حلم إقامة مركز للتفكير الاستراتيجي في موضوع التربية والتعليم. وقد شدّد الكثيرون على أهمية تأسيسه بهدف رسم وصياغة السياسات التربوية في إسرائيل، وغياب مركز يلعب دورا بارزا فيها.

على امتداد أعوامها السبعة عملَت المبادرة في مجال التربية والتّعليم في معهد فان لير في القدس على صياغة اتجاهات فكريّة في موضوع التربية والتّعليم، ولفت الاهتمام الجماهيري العام إلى السيرورات التي يدور رحاها على خطّ التماس بين جهاز التعليم والمنظومتين السياسيّة والاجتماعية في البلاد. نشاطات هذا المجال كانت متنوعة ومثّلت كوكبة واسعة من الأفكار المعاصرة والمحيّنة في المواضيع التربوية والعمليّة على حد سواء.

لأسباب تتعلق بالميزانيات تقرّر تقليص نشاطات هذه المبادرة تقليصا حاداً، والتوقف بالتالي عن الجهد المبذول من أجل بناء مركز التفكير الاستراتيجي في التربية والتعليم، بيد أنّ معهد فان لير يواصل عمله الدؤوب لاستكشاف آفاق عمل جديدة في موضوع التربية والتعليم.

المبادرة لإقامة مركز تخطيط استراتيجي في التربية: حكاية الإقامة والنشاط ومن ثم تقليص للنشاط

قام معهد فان لير في القدس بمعالجة مواضيع التربية والتعليم لسنوات طويلة، ولا سيّما التربية للديمقراطية، والمواطنة، والتربية اليهودية. إلى ذلك فقد تأسست بين جدران المعهد العديد من مجموعات البحث في موضوع التربية والتعليم والتي تمخّضت عن عدد من المؤلفات المهمّة ككتاب في الطريق إلى ثورة تربوية (2006), في صيف العام 2006 أسس البروفيسور دان عنبار والسيدة نوريت هيرمان-الموزلينو مجال التربية والتعليم في معهد فان لير في القدس.
اعتمد النشاط في هذا المجال على مجموعات البحث والتّفكير حول قضايا مركزية في التربية والتعليم: دور المدرس ومكانته، والإيروس (الشبق) الفكري، والتّنظيم المؤسّساتي في التربية والتعليم، والتّربية والمجتمع المدني، والتفكير العابر لحقول المعرفة، ودافعية المدرّسين في جهاز التعليم العربي، ومكانة المعرفة وتنظيم المعرفة، والهرميّة في التربية والتعليم، والاستقلاليّة الذاتيّة التربوية، وغير ذلك. تمخّض نشاط مجموعات البحث والنقاش عن أوراق سياسات متنوّعة ذات تأثير، وفي طليعتها امتحانات البجروت، والمدارس الإعدادية في إسرائيل، وتداخل منظّمات القطاع الثالث في جهاز التربية والتعليم، التربية للمواطنة والديمقراطيّة والحياة المشتركة. في العام الأول من إقامة المجال (في أيام الإضراب الكبير للمعلمين) وصلت مجموعات قيادية من المعلمين الفعالين إلى معهد فان لير بغرض صياغة نظرة حياتيّة بالارتكاز إلى النقاشات التي دارت مع باحثين ومربّين كبار. واصل عدد من اعضاء هذه المجموعة الانخراط في العديد من نشاطات المجال التربوي وأَثْروا التفكير في المشاريع المختلفة.

في السنوات التالية تمحور نشاط مجال التربية والتعليم في مسألة السياسات التربويّة وسبل تطبيقها. من خلال ذلك بدأ يظهر النقص في التفكير الاستراتيجي التربوي في إسرائيل. ولّد هذا الإدراك مؤتمر فان لير الدوليّ للتربية والتعليم. المؤتمر الذي عقد في العام 2009 كان الأوّل من نوعه في العالم وعالج موضوع "من الرؤيا والسياسات إلى التنفيذ". ارتكز اختيار الموضوع على الفرضيّة القائلة بأن الأسئلة التي تشغل بال العديد من قادة أجهزة التربية والتعليم في العالم تتجسّد على نحو مختلف في كل واحد من الدول، لكنها (أي الأسئلة) تشمل (من حيث المبدأ) خصائص متشابهة، لذا فثمّة ما يسوّغ معالجتها ومناقشتها دوليا.

استقطب المؤتمر باحثين تربويين مرموقين من البلاد وخارجها، ومن بينهم ضيف الشرف السّير مايكل باربر من شركة ماكينزي والذي شغل في السابق منصب مستشار رئيس الحكومة البريطاني طوني بلير لشؤون التربية والتعليم، بالإضافة إلى مديرين عامين في العديد من وزارات التربية والتعليم من دول مختلفة. على الرغم من أن هؤلاء يلتقون على نحو دوري في مؤتمرات وجلسات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، لكن يبدو أن أطراً من هذا النوع لا توفّر فرصة إجراء حوار مهني بين أصحاب الوظائف. في المقابل جرى توظيف مؤتمر فان لير للتربية والتعليم من أجل بناء منتدى لحوار مهني دولي من هذا القبيل. عُقدت في إطار المؤتمر نقاشات معمّقة حول العوائق التي تحول دون تنفيذ السياسات التربوية وترجمتها إلى خطة عمل تطبيقيّة، وحول الكيفية التي تتجسد هذه المشاكل من خلالها في الدول والثقافات التنظيمية المختلفة. في نهاية المؤتمر جرى الإعلان عن فكرة إقامة مركز التفكير الاستراتيجي في مجال التربية والتعليم، ومن ثم جرى رسم خطة خمسية.
بعد مرور عام ونصف العام على المؤتمر الأوّل، وانطلاقا من الأفكار التي طُرحت فيه عقد مؤتمر فان لير الثاني للتّربية والتعليم، والذي تناول موضوع "سياسات المدرّسين والتّدريس". دعي لهذا المؤتمر مدرسون من أرجاء العالم، وفي موازاة ورشة عمل المديرين العامّين عُقدت ورشة معلّمين دوليين بمشاركة مدرّسين إسرائيليين، دار في الورشتين المذكورتين نقاشٌ مثمرٌ واستثنائيٌ وتولّدت فرصة متميزة للّقاء بين واضعي السياسات (ألا وهم المديرين العامين للوزارات) وبين مطبقي السياسات، (ألا وهم المدرّسين). هذه المرة أيضا دُعيَت إلى المؤتمر شخصيّات مرموقة من عالم التربية والتعليم، ومن بينها نذكر البروفيسور أندرياس شلايخر المستشار الخاص للسياسات في مجال التربية والتعليم لمنظمة التطوير والتنمية الاقتصادية OECD، والبروفيسور بريان روان من جامعة مشيغين.

تمخّضت نقاشات المؤتمر الثاني عن موضوع المؤتمر الثالث للتربية والتعليم "من الإشراف المؤسساتي إلى بناء الثقة"، والذي عقد في العام 2012. في هذه المرّة دعي إلى المؤتمر مدراء مدارس من أرجاء العالم بالإضافة إلى المديرين العامين  في وزارات التربية والتعليم والمدرّسين. ولحق بكل هؤلاء باحثون من الصفّ الأول، وغالبيتهم يزورون إسرائيل للمرة الأولى- مثل البروفيسور روبين ألكساندر من جامعة كامبريدج.

تميّزت المؤتمرات الثلاثة بهيكليّة استثنائية هي الأولى من نوعها: ورشُ عمل منفصلة لأصحاب وظائف معيّنة (المعلمون ومديرو المدارس والمديرون العامون)، ومن ثمّ ورش عمل مختلطة. الحوار بين أصحاب الوظائف المختلفة كان غير مسبوق وتميّز بالعمق والواقعية غزارة الإنتاج. لعبت الشخصيات الاكاديميّة التي شاركت في المؤتمرات (وبعضها يندرج في مصافي الباحثين العالميين المرموقين) دورا مركزيا بما يتعلق بالمشاركة الفعّالة وتحليل النقاشات وصك المصطلحات واستنباط المفاهيم. اديرت الورش جميعها من قبل شخصيات تربوية وأكاديمية إسرائيلية من الصف الأول، بدءا من رئيس الجامعة العبرية السابق البروفيسور حانوخ غوطفرويند ورئيسة صندوق مانديل حينذاك د. فاردا شيفر، وصولا إلى مديرة المدرسة الثانوية في "كفوتسات يافنيه" السيدة ساره عفرون. شارك كثيرون غيرهم في النشاطات المختلفة للمؤتمرات والتي تولّد فيها مُناخٌ متميّز ورغبة صادقة من قبل جميع المشاركين للتعمق والمساهمة قدر المستطاع.

إلى جوار مؤتمر فان لير للتّربية والتعليم فقد عمل مجال التربية والتعليم في معهد فان لير في نطاقين إضافيين. تمثّل الأول في كتابة الأبحاث وأوراق السياسات في مواضيع مختلفة: دور المعلم في مطلع القرن الواحد والعشرين، تأهيل المدرّسين بوساطة أساليب ومناهج بديلة في إسرائيل، وسياسات تقييم المدرّسين، والدّولة ونقابات المعلميّن على مفترقات طرق تغيير السياسات، والتّنظيم المجدّد للعلاقات بين السّلطات المحليّة ووزارة التربية والتعليم، وكذلك: بناء الثقة في جهاز التربية والتعليم في إسرائيل. تمثّل نطاق العمل الآخر في ورش عمل عميقة لدراسة المفاهيم التي تناولتها الأبحاث المذكورة أعلاه ومدلولاتها في تصميم السياسات التربوية. شارك في هذه الورش أصحاب وظائف في قطاع التعليم في الحكم المحلي. تبّين على ضوء هذه الورش أن مفهوم الثقة الذي طُرح على بساط البحث في مؤتمر فان لير الثالث للتربية والتعليم قد بدأ يتغلغل إلى داخل الخطاب التربوي في إسرائيل، وعلى الأقل في المستوي الخطابي.

بالإضافة إلى النطاقين المذكورين فقد تناول مجال التربية والتعليم في معهد فان لير في القدس المشاركة التربوية وأدارة مشاريع في مواضيع تربوية متنوعة: الفسيفساء البشري في القدس، قيم اليهودية والديمقراطية في العمل التربوي، التربية الاجتماعية في التعلم النشط، والهوية اليهودية المتنوعة في جهاز تعليمي مشترك، واستكمال للمدرسين في مجال الأبحاث، ومستشارين تربويين في التربية التوراتية، وغير ذلك. على امتداد السنين تأسس بنك معلوماتي غني بالوثائق والمقالات وأوراق المواقف والمسوّدات، وجميعها كتبت من قبل مؤلّفين من البلاد وخارجها ممن شاركوا في النشاط الواسع والمتفرع. بالإضافة إلى كل هذا فقد نُشرت كتب عديدة في إطار مجال التربية والتعليم في معهد فان لير في القدس مثال: المواضيع التعليميّة تحت الاختبار: بدائل للتّدريس التقليدي في المدرسة (2006)، وأزمة التدريس: نحو تأهيل مصحّح للمدرسين (2008)، وكتب إضافية- بعضها يكتب في هذه الأيام وسيرى النور قريبا.

في شهر نيسان من العام 2013 عقَد مجال التربية والتعليم في معهد فان لير في القدس سمينارا دوليا للمناقشة حول مركز التفكير الاستراتيجي في التربية المزمعة إقامته، وذلك من أجل رسم مسلك ومسار هذا المركز. دعيَت لهذا السمينار شخصيات من مراكز عالمية بارزة للأبحاث في مجال التربية (نحو : PACE, Rand وَ Brookings)، وباحثون مرموقون شارك بعضهم في مؤتمرات فان لير للتربية والتعليم، وبعضهم يزور إسرائيل للمرّة الأولى كالبروفيسور ألان لوك من جامعة كوينسلاند، بالإضافة إلى شخصيات جماهيرية اسرائيلية مرموقة عبرت عن دعمها للفكرة. استوضِحَت في الورشة الفروق بين التفكير الاستراتيجي وتصميم السياسات والتخطيط الاستراتيجي، وجرى التعمق كذلك في أسئلة تتعلّق بهيكليّة المركز وسُبل عمله وقدرته على التأثير وما شابه. لاقى السمينار نجاحا منقطع النظير وعبّر الكثير من ضيوفه البارزين عن رغبتهم في المشاركة الفعّالة في إقامة هذه المؤسسة الرسمية المطلوبة.

في شهر أب من العام 2013 وعلى ضوء اعتبارات اقتصادية جرى تقليص نشاط المبادرة وتوقف النشاط لإقامة مركز التفكير الاستراتيجي في التربية والتعليم. على الرغم من ذلك فليس من المستبعد أن يقام هذا المركز في يوم من الأيام. كلّنا أمل أن تتوفّر المعارف والمفاهيم والاستنتاجات والعلاقات التي جرى تطويرها في إطار مجال التربية والتعليم في معهد فان لير في القدس، أن تتوفر لصالح جسم كهذا عند إقامته.