التمرّد كأساس للتّفكير المستقل

التمرّد كأساس للتّفكير المستقل

تخيلوا عالما بدون كفر. عالم لم يكن جاليليو ومارتين لوتر، وايميلين بانكهرست (وغيرهم كثيرون) يستطيعون التعبير فيه عن أنفسهم ونشر أفكارهم. إذ يشكل عالم كهذا ضربا من العبث. لو لم نتمكن من تعليق الآمال على الشّخصيات المتمرّدة والشجاعة لما أصبحنا على ما نحن عليه اليوم. رموز الحداثة على امتداد العصور انبعثت بفضل التشكيك بكلّ ما هو بديهي. ما يعنيه الشك هو الكفر بالحقائق والأعراف السائدة.

إذا، ما هو الكفر في عالم ما بعد الحقيقة؟ التغيير في تعاملنا الحضاري مع الكفر هو بمفهوم معيّن قصّة الحداثة. في عالم الفكر ما قبل الحداثي-شكّل الكفر الديني تهديدًا متواصلا ومتساوقا، ومثّل إغواء ثابتًا إلى ارتكاب الخطأ الإدراكيّ والأخلاقي واستحقاقاته الكارثية. كأن يقوم شخص ما بإنكار التغير المناخي أو يؤسّس العلم على العرق. هذا كفر بالحقيقة وكفر أخلاقي.

تحوّل التشكيك الأساسي والكفر بالحقائق الأساسية إلى قاعدة الفكر، وإلى الأمر الذي مكّن من نمو الثقافات المُعَلْمَنة. سعى الوعي الحداثيّ إلى بلورة فرد حر يطوّر فكرًا مستقلا، واستقصاء مفتوحا، وكفرًا بالبديهيات.

تحول مفهوم الكفر في العالم العلماني إلى أمر يرمز إلى الاستقامة الأخلاقيّة، والشجاعة، والأمل بمستقبل قويم. الحداثة تحبّ الكافرين؛ بعض الكفرة يعتبَرون أبطال مهمون في ثقافتنا، وقد حصلوا على هذا اللقب بعد مضيّ عصور طويلة على كُفرهم. مجّدت الحداثة شخصيات مثل إيزاك نيوتون وغاليليو غاليلي، وازدرت المؤسّسة الدينية التي حاولت تضييق الخناق عليهما، وارتعبت لمجرد التفكير حول ما كان سيحصل لو نجحت هذه المؤسسة في إسكاتهما. نحن نمجّد أعمال فنانين مثل دانتي أو أوسكار وايلد اللذان تمردا ضدّ الأعراف السائدة بينما جرى استنكار تصرفات المحافظين الذين لاحقوهما. نحن نثمّن عاليا الشجاعة الشخصية والسياسية لأشخاص مثل مهاتما غاندي وماري وولستونكرافت وايميلين بانكهرست ومارتين لوثر كينج الذين لم يرضخوا للأعراف السائدة أو لروح العصر ، وأسسوا حركات سياسية واجتماعيّة غير مسبوقة في طريقة عملها وفي نجاحاتها.

في الثقافة الحديثة، جرى النظر لكل نزعة أرثوذوكسية، (دينية كانت أم سياسية أن علمية أو اجتماعية أو فنية)، بأنه يتحتّم تحدّيه. الكفر هو إذًا حالة غير مستقرة بطبيعتها. لا يمكن لأيّ كفر حديث أن يتواصل لفترة طويلة، فإما إنه انتصر وتحول إلى ممارسة أرثوذكسية أو كان مصيره إلى الاختفاء.

ماذا حدث إذًا للمجتمع في عالم القرن الواحد والعشرين، عالم ما بعد الحداثة الذي فقدَت فيه المعتقدات ثباتها؟ والذي ربما تغيب عنه المعتقدات والأيديولوجيات وليس ثمّة بقرات مقدّسة يمكن ذبحها؟ هل يمكن تحقيق ثقافة حديثة بدون إمكانية الكُفر؟ ما هي أدوار الكفر في السياقات الجديدة للعلمانية والتدين؟ ما العلاقة بين الكفر والولاء؟ ماذا تعني الثقافة التي لا تتوفر فيها إمكانية الكفر؟

 

اعتقال ايميلين بانكهرست بعد ان تظاهرت أمام قصر باكينجهام، 1914

أفكار كافرة كفكرة مَثُلَت في جذور العصرنة والعلمنة، يرتبطان بمعتقدنا في معهد فان لير بضرورة أن يقوم المجتمع الإسرائيلي بإعادة التفكير العميق بعلمانيته، وكذلك بتديّنه بطبيعة الحال، مع نظرة استشرافية. سلسلة "أفكار كافرة" تعرض التأمل بتشكيلة من إمكانيات الكفر (في إطار الأديان، والأيديولوجيات، والهُويّات المختلفة)، وفي حدوده، وفي الكفر الذي يتحول إلى مؤسّسة، وفي الأساس في النحو الذي يعمل فيه الكفر في عصر العلمنة الراهن. تعرض المحاضرات سياقات فكرية وفنية وإبداعية في الثقافة والتاريخ، وصولا إلى مناقشة الكفر في سياق ثقافة الهيب هوب الموسيقية المعاصرة.

تاريخ النشر: 30.12.2020
كتابة: يوخي فيشر
في الصورة: أوسكار وايلد

 

لمشاهدة سلسلة المحاضرات " أفكار كافرة" (بالعبرية):

 

لمقالات أخرى>>>

الانضمام الى القائمة البريدية