ما وراء الإغلاق الشامل: البيولوجيا الأخلاقية في زمن كورونا

ما وراء الإغلاق الشامل: البيولوجيا الأخلاقية في زمن كورونا

تظهِر آخر البيانات أنّ نحو 25 مليون شخص في أرجاء العالم قد أصيبوا بفيروس كورونا وتوفّي أكثر من 900,000 من جراء الإصابة بالوباء. بدورها، تعيش إسرائيل -كسائر دول العالم-ما يطلق عليها "الموجة الثانية" من المرض. على هذه الخلفية يطفو على السطح نقاشٌ ساخنٌ بين مؤيّدي الإغلاق بهدف حماية الجمهور كلّه، وبين المعارضين الذين يعتبرون الأمر انتهاكًا للحريّات الفرديّة.

في مقالة نشرَت في شهر آب الأخير في نشرة "بيو-إتيكا" يناقش د. حجاي بوعاز، والبروفيسور نَداف دافيدوفيتش الحالة المأزومة التي نعايشها، ويعرضان تحليلا يمكّن من فهم الخلاف في "مسألة الإغلاق الشامل" كممثّل لوجهتي نظر أخلاقيّتين مختلفتين-البيولوجيا الأخلاقية الليبرالية في مقابل البيولوجيا الأخلاقية التي تتبنى منهج صحّة الجمهور. فبينما تشدّد الأولى على حرية الفرد وحقوقه وخياراته الشخصية، تشدّد الثانية على قيمٍ جماعيّة أكثر، كالتّضامن والمصلحة العامّة.

قبل انتشار الوباء الحالي تسيدت البيولوجيا الأخلاقية الليبرالية في عالم الطب، وجرى التعامل مع العلاقة بين المجتمع والصحة بمفردات فردانيّة في الأساس: حقوق المعالَج وواجبات الطبيب تجاهه على المستوى الفرديّ. لكن يبدو أن البيولوجيا الأخلاقية التي تتبنى منهج صحة الجمهور قد بدأت في الأشهر الأخيرة تتعزز أكثر فأكثر، وبحسبها فإن المعالَج ليس الفرد القائم بذاته (ويجب المحافظة على حقوقه)، بل كذلك الجمهور الذي تجب حمايته. في عصر كورونا يجري تحديد العلاقة بين الصحّة والمجتمع وَفْق أهداف الوقاية والاحتواء، والمناعة المجتمعيّة على جميع المستويات. فجوات الإتاحة بين شرائح سكانية مختلفة بكل ما يتعلق بالشروط الأساسية، كالنظافة الشخصية، والماء، والكهرباء، والعلاج الطبي، هذه الفجوات تشكل أساس هذا التوجه في البيولوجيا الأخلاقية. لا يأخذ أصحاب هذا التوجه بعين الاعتبار الجوانب الصحيّة فحسب، بل كذلك الأبعاد الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسية للوباء. 

أزمة كورونا تقلب الأمورَ رأسا على عقب، لكن ما زال من الصعب استشراف الواقع الجديد الذي سيولد من صميم الهزّة الحالية. فهل ستعود البيولوجيا الأخلاقيّة الليبْراليّة لتصدّر المشهد بعد انتهاء الأزمة، وتصبح المنطق المعياريّ الرائد؟ أم ربما ستشكل كورونا بادئة لتغيير البرادايم وللتّفكير الهيكليّ المجدد حول الصحة والمرض، وربما تعجّل بناء معايير وأنشطة جماهيريّة جديدة في سبيل التعامل مع تحديات صحية لا يستطيع الفرد مواجهتها لوحده؟ 

هذا ما تخبّئه لنا الأيام القادمة، وحتى ذلك الحين يمكن الاستزادة في هذا الموضوع من خلال القراءة المركّزة حول الإنفاق العام على الصحة في إسرائيل، وحول مسؤوليّة الدولة الحدود بين العام والخاص في مجال الصحة ومجالات أخرى. يمكنكم أيضا مشاهدة محاضرة ألقيت قبل 13 عاما في معهد فان لير حول جودة الصحّة في إسرائيل، ويبدو انها ما زالت ترتبط بواقعنا بوشائج متينة.

تاريخ النشر: 14.9.2020
كتابة: ياعيل شاليف فيغيسير
تصوير: Hush Naidoo

 

                                                                                                  لمقالات أخرى>>>

الانضمام الى القائمة البريدية