ماذا يحكي حي ماميلا (مأمن الله) عن مستقبل القدس

د. ماريك شتيرن | 04.01.2026 | تصوير: PikiWiki Israel, Wikimedia

ממילא - PikiWiki Israel, Wikimedia

إذا كان هناك مكان يروي أمرا ما عن التغييرات التي خضعت لها القدس في العقود الأخيرة، وربما يقدّم أيضًا منظورًا معيّنًا لمستقبلها، فهو مجمع "مَمِيلّا" التجاري، أو باسمه الرسمي – "حي ألروڤ مَمِيلّا". افتُتح الحي أمام الجمهور عام 2007، بعد نحو أربعين عامًا من ظهوره الأول في وثائق التخطيط التي قدّمها المعماري موشيه سفاديا إلى لجنة التخطيط اللوائية. وقد عرف هذا المكان عددًا لا يُحصى من التحديات… التي شكّلت السياسة المحلية والفساد والبيروقراطية مصدرًا لها، والتي أخّرت بناؤه فترة طويلة جدًا. لكن عاملَين حسما مصيره في نهاية المطاف: الخصخصة، وموقعه على خط ّالتماس بين المدينة الغربية وتلك الشرقية.

حي التماس ماميلا

أقيم حي ماميلا في نهاية القرن التاسع عشر كجزء من التطور العمراني لمركز المدينة العثماني في القدس خارج أسوار البلدة القديمة وتحديدا خارج "باب الخليل"، وهي منطقة تميزت بتعدد الاستخدامات، حيث ضمت فنادق ومصالح تجارية، وخدمات للسياح، وبناية البلدية، ومسرح ومحطة مركزية. شكل حي مميلا منطقة فرعية داخل مركز المدينة الجديد الذي نشأ على الطريق القديمة للمقبرة الإسلامية مأمن الله (ومن هنا جاءت تسمية الحي)، وكان حيّ مأمن الله جزءًا من أوّل "سيتي" عصري في القدس. وضمت بيوته مصالح تجارية ومساكن، وكان سكان الحي بغالبيتهم من المسلمين والمسيحيين. أحد السكان المشهورين في هذا الحي كان القنصل الأمريكي روبرت كلارك، أحد أبناء الحي الأمريكي ومندوب وكالة السياحة "كوك"، التي كانت مكاتبها قائمة هناك أيضًا. في ثلاثينيات القرن الماضي بنى إسحاق شمعا وهو تاجر يهودي من أصل سوري، مركزا تجاريا بجوار الحي لخدمة المصالح التجارية اليهودية لتجار أرادوا الخروج من البلدة القديمة، لا سيما بعد أحداث 1929 (ما يعرف عربيا بثورة البراق- المترجم) وبذلك تحول حي مأمن الله في حقبة الانتداب البريطاني إلى منطقة حدودية بين مناطق القدس العربية ومناطقها اليهودية. هذه الحقيقة كانت وبالًا على الحيّ خلال حرب "الاستقلال"، إذ إن الحدث التأسيسي الذي أشار إلى بداية الحرب في المدينة وقع في ماميلا: فبعد يوم واحد من تصويت الأمم المتحدة على خطة التقسيم، وجّه متظاهرون فلسطينيون مُتحمّسون غضبهم نحو المركز التجاري التابع لشمعا وأضرموا النار في متاجره. وهكذا أصبح الحي دفعة واحدة جزءًا من خطّ الجبهة في الحرب. ومع التوقيع على اتفاقيات وقف إطلاق النار، قُسّمت المنطقة إلى قسمين: نصفها في الجانب اليهودي، ونصفها الآخر في منطقة الحرام التي قسّمت شطري المدينة.

أصبح ماميلا حيا حدوديا لمدة تسعة عشر عاما، شانه شان أحياء حدودية أخرى في المدينة، وسكنها مهاجرون جدد تتحدر غالبيتهم من بلدان العالم الإسلامي، عاشوا في بيوته المهدمة في ظروف مادية قاسية جدا، وكانوا محرومين من البنى التحتية العصرية، ومعرّضين لطلقات نار من الجهة الأردنية، وعلى الرغم من ذلك طوّر السكان هُويّة محلية واعتزوا بانتمائهم، وفي نهاية الستينيات كان شبان الحي جزءا لا يتجزأ من شبكة نشيطي حركة "الفهود السود". انتصار الجيش الاسرائيلي في حرب الأيام الستة وضمّ القدس الشرقية مثّلا بارقة أمل لسكان ماميلا بأنّ المستقبل سيكون أفضل، إذا أصبحوا الآن يعيشون في مركز المدينة الموحدة، في منطقة  يفترض أن تصبح القلب النابض للمدينة الجديدة، لكن مخططات بلدية القدس ورئيسها تيدي كوليك كانت مختلفة تماما، إذ اعتبر كوليك أن الحيّ هو "سلامز" يكتظ بالجريمة، ومهمل و"عالق" في أكثر مناطق القدس الحديثة استراتيجية، وكان الحلّ بالنسبة له بسيطا للغاية- "إخلاء وإعادة بناء"، وسعى إلى إجراء عملية "ريستارت" للحيّ على المستويين البشريّ والمادي، وإقامته مجددا  بوصفة حي "سوهو" الفاخر لمدينة القدس. من أجل تنفيذ هذا المشروع جنّد كوليك المعماري الإسرائيلي الكندي موشيه سفاديا الذي اقترح بناء مجمّع ضخم  متكامل يضمّ بنايات للسكن والتجارة والفنادق.

من التجدد المديني إلى الخصخصة الكاملة

أفضت المصادقة على بناء المجمع في مطلع السبعينيات إلى إقامة شركة بلدية-حكومية باسم "كارتا"، لتتولى إدارة مشروع الإخلاء وهدم الحي وتطوير المجمّع، لكن المخطط واجه معارضة شديدة من سكان الحي الذين اعتبروا إخلاءهم إهانة كبيرة، وكذلك من قبل معماريّين وشخصيات في مجال التخطيط (مثل ميرون بنبنيستي)، الذين اعتبروا  أن هدم النسيج المديني وبناء المجمع الجديد يشكل خطوة فظة واستبدادية ولا تنسجم مع النسيج المعماريّ في هذه المنطقة. تحولت اسم "كارتا" إلى مرادف للصورة السلبية التي التصقت بالمشروع بدءا من إخلاء السكان الذين لم يرغبوا في الانتقال للسكن في مكان آخر، ووصولا إلى الفساد الذي اقترن بتعيين موظفين في الشركة وفي مجلس إدارتها. ولسنوات طويلة بقي المشروع حبرًا على ورق لأسباب عديدة ومن بينها الإدارة الفاشلة للشركة.  ولم يباشر بهدم بيوت الحي وبنائه من جديد إلا في نهاية الثمانينيات وبشكل تدريجي: مجمّعات بأنواع مختلفة، بما في ذلك فندق هيلتون (ويسمّى اليوم فندق قلعة دافيد)، والحي السكنيّ كفار دافيد، ومصفّ المرْكبات "كارتا"، أمّا المجمّع التجاري، الذي كان يفترض ان يكون قلب المشروع، فقد توقّف في مرحلة التخطيط.

خلال ثمانينيات القرن الماضي طرأت تغيّرات على الاقتصاد السياسي في إسرائيل، وكان أبرزها الانتقال إلى اقتصاد السوق، ولذلك كان من الطبيعي أن ينتقل مشروع ماميلا هو الآخر إلى أيدٍ خاصة، وهذا ما حدث بالفعل. فقد بيع المجمّع في البداية لشركة لادبروك، مالكة سلسلة فنادق هيلتون العالمية، غير أنّ الشركة انسحبت لاحقا بعدما ضاقت ذرعًا بالبيروقراطية الإسرائيلية. تنقّل المجمّع بين عدة مالكين، إلى أن وصل في نهاية المطاف إلى يد قطب العقارات ألفرد أكيروف، فدفع المالك الجديد باتجاه تنفيذ الخطّة الأصلية (مع تغييرات كبيرة) وبناء المجمّع التجاري. وكانت نتيجة هذا المسار كلّه أن حيّ ماميلا – وهو حيّ ذو جذور إسلامية–مسيحية، (وسُمّي نسبةً إلى الطريق التاريخيّة المؤدية إلى المقبرة الإسلامية، ومعنى اسمه بالعربية "مأمن الله") – أصبح ملكًا خاصًا لرجل أعمال يهودي. وفوق ذلك كلّه، قام أكيروف بدمج اسمه الشخصي في اسم المجمّع: ألروڤ، وهي توليفة تجمع بين اسمه الأول "ألفْرِد" واسم عائلته "أكيروڤ". ولعلّه لا يوجد مثال أوضح على النيو-ليبرالية المدينية من حقيقة أن مجمّع "ألروڤ ماميلا" يُترجم اليوم، بترجمة حرّة، إلى: "ألفرد أكيروڤ مأمن الله".

تعايش في المجمّع التجاري

خصخصة المجمّع تحديدًا، وإقامته كحيّز يضمّ مجمّعًا تجاريًا وفندقًا وحيًّا راقيًا، حوّلت الحيّ إلى منطقة تماس مزدهرة نسبيًا وإلى أحد الفضاءات المشتركة المهمّة في القدس. وبما أنّ المجمّع التجاري يقع على محور يشكّل شارعًا رئيسيًا، لم يتمكّن القائمون عليه من وضع نقاط تفتيش أمني عند مداخله، وهو ما اعتبره الفلسطينيون ميزة إيجابية، نظرًا لشعورهم بأنّ الحراس في نقاط التفتيش الأمني الموضوعة على مداخل جميع المجمّعات التجارية في المدينة يميّزون ضدهم ويستهدفونهم (مع أنّ الحراس اليوم فلسطينيون، لكن تلك قصة أخرى).إلى جانب ذلك، فإن موقع المجمّع في قلب المنطقة السياحية في القدس وعلى مدخل البلدة القديمة حوّله إلى مكان يتميّز بحضور بارز للسياح من مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي خفّف من حدّة "الخبصة" اليهودية–العربية في المكان. كما أن موقع ماميلا على خطّ التماس الملاصق للبلدة القديمة وشرق القدس جعله أحد المجمّعات التجارية الأكثر سهولة للوصول بالنسبة إلى سكّان المدينة الشرقية. ومع مرور الوقت، ومع تزايد تدفّق المتسوّقين الفلسطينيين، جرى تجنيد المزيد من العاملات والعمّال الفلسطينيين في متاجر المجمّع، إلى أن أصبحوا الغالبية الساحقة من العاملين فيه. العولمة الثقافية، والأجواء الدولية، وثقافة الاستهلاك المشتركة، بل وحتى موسيقى المصاعد المبتذلة، والأهم من ذلك كلّه – المصلحة الاقتصادية لمالكي المجمّع – تحوّلت جميعها إلى محرّك لخلق فضاء لقاء قد لا يكون عميقًا أو مهمًا على نحو خاص، لكنه يعمل ويستمرّ في أداء وظيفته. أمّا الدليل الأقوى على نجاح ماميلا كفضاء لقاء فهو شعور المجموعتين بالأمان في المكان. ماميلا يشكّل فضاء لقاء نيوليبراليًا، استهلاكيًا، وسطحيًا إلى حدّ كبير، لكنه ينجح مع ذلك في أداء مهمّته منذ ما يقارب العشرين عامًا، وهي مدّة ليست قصيرة في مدينة مثل القدس.

إن نجاح ماميلا في معركة صراع البقاء داخل الواقع المقدسي يروي لنا شيئًا عن قوة الاستهلاك بوصفه مادة لاصقة شديدة المقاومة للتحوّلات الجيوسياسية، ويكشف أيضًا عن الشروط التي يمكن لحيّز مشترك يهودي–فلسطيني أن يتحقّق ضمنها؛ شروط تقوم على تبعية اقتصادية في التشغيل والاستهلاك، وتبعية غير متكافئة – إذ إن معظم العاملين في المجمّع التجاري هم من الفلسطينيين، بينما معظم المستهلكين من اليهود – لكنها تبعية متبادلة في الوقت ذاته. فلا يمكن للمجمّع أن يعمل من دون العاملات والعاملين الفلسطينيين، وربما يشكّل هؤلاء أيضًا نوعًا من "الدرع البشري" أمام اعتداء ذي طابع قومي. ومع ذلك، يبقى المجمّع مكانًا إسرائيليًا–يهوديًا، وصاحبه إسرائيلي–يهودي، فيما الماضي الإسلامي للمكان لا يحضر إلا في لافتة الأرابيسك الشرقيّة التي تزيّن بوابة المدخل. أمّا الموقع الوحيد الذي يستحضِر تراثه داخل المجمّع فهو فندق صغير أقام فيه هرتزل ثلاثة أيام خلال زيارته للمدينة عام 1898. فإلى جوار ماميلا يقع دير القديس فنسان دي بول الكاثوليكي، وهو مؤسسة فلسطينية في جوهرها تقدّم الرعاية أللأطفال ذوي الإعاقة من القدس الشرقية، لكن حضوره صامت، والطريق المؤدية إليه مغلقة بجدار. مجمّع ماميلا التجاري يشبه فقاعة استهلاكية مقطوعة بشكل أخرق عن ماضيها، وتطغى عليها موسيقى مبتذلة ومفرطة في الرومانسية المفتعلة، تسعى إلى طمس هوية المكان المركّبة. فهل هذا هو وجه مستقبل القدس – مدينة مختلطة (فلسطينية–حريدية)، تمسك بها خيوط تبعيّة اقتصادية وهرمية اجتماعية، مدينة تحاول طمس أجزاء من ماضيها كي لا تواجه المواد السياسية المتفجّرة الكامنة فيها؟

ربما تكون هذه هي الشروط الوحيدة التي يمكن في إطارها الحفاظ على تركيبة سكانية شائكة ومعقّدة إلى هذا الحد، في ظروف سياسية لم يعد أحد قادرًا على تغييرها. ومع افتراض أن هذا الوضع لن يدوم طويلًا، لأن ماضي القدس زاخر بأحداث يقتحم فيها التاريخ الحاضر ويقوّضه تمامًا، يبقى السؤال: هل سيعود التاريخ يومًا ما إلى ماميلا؟

الانضمام الى القائمة البريدية