الكورونا من ورائنا؟ ليس بالنسبة لنا جميعًا

الكورونا من ورائنا؟ ليس بالنسبة لنا جميعًا

بعد عام وثلاثة أشهر خضعت فيها إسرائيل لقيود فرضها وباء الكورونا، أصدرت وزارة الصحة بيانا دراماتيكيا بأن القيود ستزال بدءا من مطلع شهر حزيران، وبهذا تخطو إسرائيل نحو مرحلة جديدة لا معنى فيها للشارة الخضراء ولا البنفسجية، وهذا خبر سار بالتأكيد. لكن لا يجدر بنا أن ننسى هؤلاء الذين كانوا ضمن مجموعة الخطر التي لا يحميها التطعيم، ألا وهي مجموعة التثبيط المناعي ومن بينهم الأفراد الذين احتاجوا لزراعة أعضاء في أجسامهم.

إذا توفر حتى الآن لمجموعة التثبيط المناعي إحساس بسيط بالأمان بفضل مرسومات الشارة الخضراء التي خلقت فضاءات "نظيفة من الكورونا" - فلن تكون الفضاءات المشتركة - من الآن فصاعدا - محمية ومعزولة لصالحهم. مقالة د. حجاي بوعاز، رئيس موضوعة العلم والتكنولوجيا والحضارة في معهد فان لير، الذي خضع لعملية زرع كبد وكلية، تتناول مدلول التطعيم للأفراد مثله، وقد جرى نشرها لأوّل مرّة في صحيفة " هآرتس" (8.4.21). قبل إزالة مرسومات الشارة الخضراء والبنفسجية في 1.6، ننشر المقالة بكاملها هنا.

فكروا بنا أيضا، نحن الأشخاص الذين خضعوا لعمليات زراعة أعضاء في أجسامهم

تفتخر إسرائيل – وبحق - بالنسب العالية للتّطعيمات، وينظر إليها كموديل للنجاعة وللحاجة لصناديق المرضى كوكالات صحية تتوسط بين الدولة والفرد. وليس أقل أهمية من ذلك، يمكن اعتبارها موديلا بالنسبة لأعداد غفيرة من الإسرائيليين الذين تطعّموا بسبب القلق على صحتهم وصحة بيئتهم. ثمة على الدوام جيوب معارضة للتطعيم: بدءا من تطعيمات الأطفال ووصولا إلى التطعيمات الفصليّة، كتطعيمات الإنفلونزا، ويمكن كذلك تشخيص البروفيل الاجتماعي - الديموغرافي للمتردّدين ومعارضي التطعيمات. على الرغم من ذلك طرحت تطعيمات الكورونا تحديا خاصا، إذ حصل التطعيم على مصادقة سريعة من قبل FDA، ومن ثمّ على مصادقة وزارة الصحة الإسرائيلية. تشمل المصادقة تحفظات وملاحظات، وفي حقيقة الأمر فإن المرحلة الرابعة من التجارب على التطعيمات هي المرحلة العملية التي تجري فيها متابعة الأعراض الجانبية ونسب النجاح في صفوف فئة متلقي التطعيم.

بهذا المفهوم، جميعنا نمكث في المرحلة الرابعة. ثمة أسئلة تقض المضاجع في هذا السياق، ومن الضروري أن يجرى فحصها واستيضاحها، ومنها: إلى أي درجة كانت الموافقة على تلقي التطعيم قرارا شخصيا مدرّكا، وما جودة العلاقات بين وزارة الصحة وشركة فايزر، وغير ذلك. هذه الأسئلة والمخاوف من اللقاح الجديد تدفع مجموعات كاملة إلى الامتناع على التطعيم. التوتّر بين سيادة الفرد على جسمه، وبين الصالح المشترك الذي سينمو من التطعيم المجتمعي، والحلول المختلفة نحو الشارة الخضراء وتلك البنفسجية، كلها تطرح أسئلة أخلاقية إضافية.

أعرض هنا زاوية إضافية لفحص هذه القضية، فأنا أنتمي لمجموعة الأشخاص الذين خضعوا لزراعة أعضاء بشرية في أجسادهم، ويحصلون يوميا على كوكتيل أدوية لتثبيط جهاز المناعة. هذه المجموعة لم يجر إلحاقها بمجموعات التجربة في المرحلة الثالثة من فحص تطعيم الكورونا من قبل شركات الأدوية، فالتطعيمات التي تلقيناها هي عمليا المرحلة الثالثة من التجربة، لكن يتبين أنه، وعلى الرغم من التوصية القاطعة من قبل الجمعية الإسرائيلية لزرع الأعضاء للحصول على اللقاح ضد الكورونا، لم يطور الكثير ممن زرعت لهم أعضاء أية أجسام مضادة بعد التطعيم.

فعليا، لا يوجد لدينا أية إمكانية للخروج من دائرة الخطر. زد على ذلك فإن خطر الوفاة في صفوف من زرعت لهم رئة مرتفع للغاية، كذلك الأمر بالنسبة لآخرين ممن خضعوا لعمليات زرع أعضاء، فخطر الموت في صفوفهم أعلى من الخطر المحدق بسائر السكان. بكلمات بسيطة: نحن نعيش اليوم كما عاش الجميع في بداية الشتاء: بدون تطعيمات، وبدون إمكانيّة للعودة للروتين في المنظور القريب، فنحن ما زلنا نعاني من خطر وجودي.

نحن الذين زرِعت أعضاء في أجسادنا نعيش بفضل كرم وسخاء الآخرين، فكل من زرعت له أعضاء وكل من تبرع بالأعضاء يعرفان من مصدر أول ماذا يعني التضامن وماذا يعني عمل الخير. نحن نعرف أيضا ما هي محدوديّات الطب: ليس ثمّة تكنولوجيا طبّية لحياة كاملة. العافية هي مصطلح نسبي وعشوائي ومتصدّع على الدوام. التطعيمات هي مثال جيد لأهميّة الدمج بين البعد الاجتماعي والبعد التكنولوجي؛ التضامن بدون التطعيمات أمر فارغ، والتطعيمات بدون التضامن مجرد تكنولوجيا فاقدة للجدوى

ربما يبدو ما سأقوله أمرا متطفلا أو يعبر عن الكثير من المرارة، لكن من وجهة نظر من ينتظر بفارغ الصبر تطوير مضادات ضد الكورونا كي يعود إلى الروتين وإلى العمل، ومقابلة الناس، من وجهة نظره يبدو التشكيك باللقاحات التي أثبت فاعليتها، والخشية من أعراض طويلة الأمد (ما طولها؟) والادعاء أنّ حريّة الفرد تتعرض للسطو من قبل موظفين "مهووسين بالتطعيمات" - كلها تبدو لي امتيازات زائدة لأشخاص معافين. النقد أمر مهم، لا سيما النقد الموجه للعلم والتكنولوجيا، لكن في المحصلة النهائية، وبعد الأخذ بعين الاعتبار أننا نحصل على أمان اللقاح، أليس من الصواب أن تتطعّم كي لا تحمي نفسك فحسب، بل كي تحمي هؤلاء الذين لا يستطيعون الحصول على اللقاح؟

 

تاريخ النشر: 26.5.21
كتابة: د. حجاي بوعاز
تصوير: Steven CornfieldDaniel Schludi

لمقالات أخرى>>>

الانضمام الى القائمة البريدية