تدريس اللغة العربية في المدارس العربية في إسرائيل // د باسيليوس بواردي

يرتبط تدريس اللغة العربية في إسرائيل، سواء في المدارس العربية أو في المدارس العبرية، بمجموعة من العناصر التي تؤثِّر على طبيعته ومستواه. أولاً وقبل كل شيء، لقد طرأ تحوّل على اللغة العربية، ذلك أنها تحوّلت من لغة مهيمنة (غالبة) (superstratum language) إلى لغة مُهيمن عليها (مغلوبة) (substratum). ثانيًا، تعتبر اللغة العربية في البلاد لغة أقلية قومية، ويجب النظر إليها على هذا الأساس، مع جميع النتائج المترتّبة على ذلك.

بالإمكان قياس واقع اللغة العربية بواسطة مجموعة من المتغيّرات والتي تقدّم صورة كئيبة ومقلقة. يتمثّل المتغير الأول في امتحانات البجروت. يصل معدّل العلامات القطري في موضوع اللغة العربية إلى ما يقرب 60%، وهو أقل بـ 12% من المعدل القطري للغة العبرية كلغة أم. أما المتغيّر الثاني فهو نتائج القسم الكلامي في امتحان البسيخومتري. يحصل الكثير من الطلاب على إعفاء من تعلّم اللغة الإنجليزية بناء على علامة قسم اللغة الإنجليزية في امتحان البسيخومتري، ولكن أغلب هؤلاء الطلاب يحصلون على علامة متدنّية أكثر في القسم الكلامي الخاص بلغة الأم العربية. ويتمثّل المتغيّر الثالث في نتائج امتحانات النَّجاعة والنَّماء (ميتساڤ) والتي تقدّم صورة كئيبة جدًا لدى طلاب المرحلة الابتدائية بشكل عام، وفي اللغة العربية والتعبير على نحو خاص، وذلك بسبب الصعوبات التي يواجهونها في مجالي فهم المقروء والتعبير الكتابي. أما المتغيّر الرابع فهو الدراسة الدولية لقياس مدى تقدّم القراءة في العالم (امتحانات بيرلز الدولية) التي تفحص مستويات القراءة في لغة الأم لدى طلاب المدارس الابتدائية. تحتلّ إسرائيل، إذا استثنينا معدل الطلاب العرب، المرتبة الـ 11 من بين الدول الـ 45 المشاركة، ولكن حين ندخل تحصيل الطلاب العرب في الحساب تتراجع إسرائيل إلى المرتبة الـ 32. إن نتائج الطلاب العرب لوحدهم تجعل إسرائيل تحتلّ المرتبة الـ 42. هنالك عدد من العوامل الراسخة التي تقف وراء هذا الواقع وبالإمكان تصنيفها إلى ثلاث مجموعات:

  1. عوامل لها علاقة باللغة العربية: من المعروف أنَّ اللغة العربية تعاني من ظاهرة الازدواجية اللغوية (الفجوة الكبيرة التي تفصل بين اللغة المحكية واللغة المكتوبة)، أو باختصار فإنَّ اللغة العربية تعاني من ازدواجية اللغة بشكلٍ حادّ. يجعل هذا الأمر بحدّ ذاته اكتساب اللغة المكتوبة - أي الفصحى - أمرًا صعبًا، لأنه يقتصر انكشاف الطالب إلى هذه اللغة في الكتب وحصص الأدب فقط. إنَّ المرتبة التي تتبوّأها اللغة العربية التي يتعلّمها الطالب العربي في المدرسة ويتم امتحانه فيها أبعد ما تكون عن كونها ملائمة للتحصيل الدراسي الملائم. فيما يلي تسلسل أهمية اللغات لدى الطلاب العرب:
  • تحتلّ اللغة العربية المحكية المألوفة، المرتبة الأولى.
  • وتحتلّ ما نطلق عليه تعبير العِربية ׁ(العربية + العبرية)، وهي عبارة عن هجين من العربية المحكية والعبرية، والتي أخذت تتغلغل في مجالات الحياة المتعدّدة وكذلك لدى الشرائح العمرية المختلفة، المرتبة الثانية؛
  • أما العربزية (عربي + إنجليزي)، وهي لغة الإنترنت وغرف الدردشة ومواقع الشبكات الاجتماعية، فتحتلّ المرتبة الثالثة؛
  • وتحتلّ العبرية المعيارية، لغة الأغلبية، المرتبة الرابعة؛
  • أما اللغة الإنجليزية المعيارية فتحتلّ المرتبة الخامسة؛
  • وفي المرتبة الأخيرة، المرتبة السادسة، تظهر اللغة العربية الكلاسيكية، لغة الشعر والأدب، والتي يمتَحنُ فيها الطالب، وفيها يتم تحديد مستواه الرسمي في اكتساب اللغة (القراءة، الكتابة، فهم المقروء والتعبير).

تتبوأ اللغة العربية الكلاسيكية والمكتوبة إذًا أسفل السلم بالنسبة لأولويات الطالب العربي. كما أنَّ أهمية هذه اللغة لديه تبدو هامشية، باستثناء أهميتها للبعد الديني الإسلامي. وبالنسبة للطالب العربي لا تعتبر هذه اللغة ضرورية لتحديد صيرورة وجوده، ولهذا فإنَّ موقفه إزاءها يعتبر هامشيًا أيضًا.

  1. عوامل تتعلّق بالمعلّم: إنني لا أستهين بالعمل الشاقّ الذي يبذله معلّم اللغة العربية، إذ إن الظروف التي يعمل فيها بشكل عام صعبة ومحبطة. ولكن على الرغم من ذلك، هنالك ثلاثة عوامل في هذا المكوّن لا تتيح للمعلّم تدريس المادة التعليمية بطريقة أفضل:
  • العامل الناقل: يتوجّب على المعلّم العربي، وخصوصًا المعلّم الشاب، الذي عايش واقع اللغة العربية، أن يكون بمثابة وكيل للغة العربية الكلاسيكية وأن يغرس في تلاميذه هذه اللغة التي كان من الصعب عليه هو بنفسه أن يتعلّمها. لا يتعلّق الأمر بمعلّمي اللغة العربية فحسب، بل بكافة المعلّمين في جميع المواضيع والحقول المعرفية والذين يجدون صعوبة في التعبير عن أنفسهم باللغة الكلاسيكية، وبالإمكان العثور لديهم على أخطاء في مجالات الإملاء واللغة والنّحو في النصوص التي يقدّمونها لطلابهم.
  • عامل الخيار الاضطراري: تعتبر شروط القبول لعدد كبير من المواضيع، وخصوصًا المواضيع المرموقة، شروطًا صعبة ومن الصعب الوصول إليها. علاوةً على ذلك، يخشى الطلاب العرب من دراسة مواضيع جديدة، خاصة إذا اعتقدوا أنهم لن يعثروا على وظائف للعمل في مجالات تخصّصهم. يقف هذان العاملان خلف اندفاع نسبة كبيرة من الطلاب العرب إلى التدريس وكليات التربية ليس بغية تحقيق حلم، أو بدافع خيار مفضّل، بل من منطلق الخيار الاضطراري أو خيار أهون الأمرّين. ينهي الطلاب متطلبات اللقب الجامعي، ولكن لدى مزاولتهم التدريس على أرض الواقع لا يمكنهم أن يكونوا معلّمين صانعي التغيير أو محدثي ثورة ونقلة نوعية، بالرغم من الجهد الجبّار الذين يقومون به.
  • عامل الجذب/المغناطيس الهش: استمرارًا لعامل الخيار الاضطراري، ليس بمقدور تدريس اللغة العربية ومواضيع التدريس بشكل عام منافسة المواضيع المرموقة مثل الطب والتقنيات المتطوّرة والتكنولوجيا على أنواعها، ولهذا فإنّها لا تفلح في جذب الأفراد من ذوي القدرات الجيدة بغية ممارسة مهنة التدريس. وعليه، فليس بوسع منظومة تدريس العربية، كما هو الحال في العديد من المواضيع، أن تتوقع تغييرات بعيدة المدى.
  • عوامل خاصة بالمنظومة: المقصود هنا العوامل التي تحيط بالفرد (تختلف العوامل من ناحية قربها منه، ولكنها تؤثّر عليه بشكل مباشر أو غير مباشر). إنَّ التفاعل والعلاقات المتبادلة بين الفرد والمنظومات المحيطة به هو ما تمّ تعريفه لدى يوري برونفنبرنر (U. Bronfenbrenner) بتعبير "بيئية أكولوجية". تختلف أنواع التفاعلات الكائنة في هذه المنظومات بناءً على قرب المنظومة (الدائرة) من الفرد. وهذه هي المنظومات المحيطة بالفرد:
  • منظومة الميكرو (microsystem) – المنظومة المباشرة والفورية
  • منظومة الميسو (mesosystem) – المنظومة المؤقتة
  • منظومة الإكزو (exosystem) – المنظومة الخارجية
  • منظومة الماكرو (macrosystem) – منظومة العلاقات بين مختلف المنظومات.

 

 

 

برأيي، إنّ كافّة دوائر التأثير المحيطة بالفرد، وفي السياق الذي نتحدّث عنه وهو الطالب العربي، تشترك في الأزمة التي تمر بها عملية تدريس اللغة العربية. كانت جميع دوائر التأثير - البيت العربي، والمدرسة، والسلطات المحلية، ووزارة التربية والتعليم وحكومات إسرائيل - ولا تزال شريكًا في هذا الفشل. والأمر له علاقة بما اصطلح عليه محمد أمارة بتأثير من هوارد جيليس بـ"حيوية ازدواجية اللغة" (ethno-linguistic vitality). واستنادًا إلى هذا المنظور، كلما كانت الأهمية اللغوية للمجموعة الإثنية كبيرة تزداد مقدرتها في المحافظة على هويتها الاجتماعية وعلى لغتها الأم في مجالات الحياة المختلفة، والعكس صحيح. وفي واقع الحال، فإنَّ معظم دوائر التأثير هذه لا تنظر إلى العربية بوصفها أداة اجتماعية وسياسية، أو قومية، رئيسة. على الرغم من التأكيدات المتعدّدة لمنظومتي الإكزو والماكرو على أهمية وحيوية العربية، فإنَّ هذه التأكيدات لم تتمكّن من اجتياز الاختبار الفعلي لتحويل اللغة العربية إلى الطلاب، إذ على الرغم من كل النوايا الحسنة لا تزال العربية تعتبر لغة غير م




الدكتور باسيليوس بواردي هو باحث في اللغة والأدب العربي الحديث، محاضر كبير في قسم اللغة العربية في جامعة بار إيلان وكلية أورانيم.

 

 

 

 

 

 

مقالات أخرى في مجلة منبر الحالية: