مجتمعات تحت طائلة التهجير في سلوان
يهوديت أوفنهايمر | 17.02.2026 | تصوير: ياهيل جازيت. الصورة: احد سكان بطن الهوى يواجه خطر الإخلاء
بمناسبة عرض فيلم بيسان طيبي «شارع في سلوان» في 23.2.26
يهوديت أوفنهايمر، المديرة العامّة لجمعية "عير عَميم"
سلوان هي حيّ مقدسي يقع جنوبي البلدة القديمة، بدايته مُتاخِمة للمسجد الأقصى، ومن ثم يمتد إلى منحدر وادي الجوز (وادي قدرون) في التقائه مع وادي قدّوم. مشاهد ومناظر سلوان تجسّد حكاية تاريخ القدس الطويل وتنوّعه، لكن هذا الثراء والوفرة لا تعتبرهما حكومات إسرائيل المتعاقبة وجمعيات المستوطنين أمرًا مباركًا، وهي التي وضعت لنفسها هدفًا يتمثل في تهويد سلوان.
منذ أكثر من ثلاثة عقود يخضع حيّ سلوان لإجراءات متسارعة للسّيطرة الإسرائيلية وتفريغه من سكّانه الفلسطينيين، ولهذا الغرض يتم تجنيد الحفريات الأثرية، والمشاريع السياحية، والاستيلاء على المنازل والحيّز العام، وفرض قيود شديدة على بناء الفلسطينيين، ودعاوى ترتكز على قوانين تمييزية تمنح اليهود ملكية الممتلكات. الحضور المكثّف للمستوطنين، ومندوبي السلطات، وأجسام "التطوير"، والعناصر الأمنية الرسمية وغير الرسمية، إلى جانب سلوكهم المتعالي والقمعي، يخلق احتكاكًا دائمًا مع السكان الفلسطينيين. لكن وعلى الرغم من هذه الممارسات لم يطرأ على امتداد السنين تغيير ملموس على التركيبة الديمغرافية لسلوان الذي بقي في الأساس حيًّا فلسطينيًا. كل ذلك قد يتغيّر خلال الفترة الزمنية القريبة بسبب إجراءات التهجير غير المسبوقة التي تتفاقم برعاية حكومة اليمين المتطرف والحرب على غزة.
إجراءات التهجير تتخذ في هذه الأثناء ضد حَيَّيْن في مركز سلوان هما "البستان" و"بطن الهوى" اللذان يصل تعداد سكانهما إلى أكثر من 2000 نسمة (نحو 200 عائلة)، حيث فقدت الكثير من العائلات هناك منازلها، إن كان بسبب الهدم (في البستان) أو من خلال الإجلاء القسري (في بطن الهوى)، وفي الحالتين يشكّل التهجير نتيجة مباشرة للتعاون الوثيق بين السلطات وجمعيات المستوطنين. تواجه مجتمعات بأكملها خطر التهجير الفوري برعاية القانون، وبتورّط مباشر من قبل السلطات وتصديق من قبل المحكمة العليا. منذ شباط من العام 2024 هدمت السلطات أكثر من ربع بيوت حيّ البستان (وعددها 115 بيتًا) يسكن فيها نحو 1500 نسمة، ويتهدد المنازل الأخرى خطر الهدم الفوري أو القريب. لقد بنى الناس بيوتهم هناك على أراضٍ بملكيتهم، لكنهم لم يتمكّنوا من الحصول على تراخيص بناء بالرغم من مساعيهم المكثفة، وعليه فقد بنوها في نهاية المطاف من دون ترخيص بسبب ضائقة السكن الخانقة، وحالهم في ذلك كحال غالبية سكان القدس الشرقية الذين يعانون من تمييز صارخ في مجال التخطيط والبناء. لكن مخططات البلدية والمستوطنين كانت مختلفة تمامًا، وتمثلت في هدم غالبية منازل الحي وإقامة متنزّه توراتي عليها باسم "حديقة الملك"، ليشكّل امتدادًا للحديقة الأثرية "عير دافيد"، ويخلق كتلة جغرافية متواصلة من السيطرة اليهودية في مركز سلوان، وبالتالي يحكم القبضة على المكان، ويضفي عليه طابع موقع تراثي يهودي حصري.
أنقاض منزل فخري أبو دياب في حي البستان. أبو دياب هو ناشط مقدسي وشخصية بارزة في نضال حي البستان ضد عمليات الهدم. تصوير: ياهيل غازيت
السكان بدورهم لم يسلّموا بالأمر الواقع، وأداروا على امتداد أكثر من عشر سنوات مفاوضات مع البلدية لتأهيل المنازل ومنع عمليات الهدم، لا بل قاموا بتقديم خارطتين هيكليتين تستوفيان الحد الأدنى من الشروط المهنية المطلوبة. هذه الإجراءات تكلفتها المالية باهظة وتستوجب استقطاب مهنيين وتنفيذ عمليات تنسيق مُحكمة، كان على السلطات أن تتحمّل عبئها لو كنا نعيش في واقع يتسم بالنزاهة والعدل. في شباط من العام 2024، ونتيجة الضغوطات التي مارسها المستوطنون والوزير بن غفير، وفي خضم الحرب على غزة، أعلنت البلدية (على نحو مفاجئ ومن دون تقديم أي تفسير) عن قطع العلاقة مع المجتمع المحلي وإيقاف المفاوضات مع مندوبيه، وفور الإعلان عن ذلك بدأت عمليات هدم المنازل، وتم خلال العام 2024 هدم 32 منزلًا ومن بينها بيت الناطق بلسان الحي، ومركز جماهيري يعمل بتمويل من الاتحاد الأوروبي ويخدم أكثر من 1000 مواطن. وفي العام 2025 تم هدم 13 منزلًا إضافيًا، وقامت البلدية بتوزيع 15 أمر هدم إضافي في بداية شباط 2026، وجرى في هذه الأثناء هدم عدد من أسوار المنازل تمهيدًا لعمليات هدم إضافية.
تمّ تهجير 87 عائلة (نحو 700 نسمة) من منازلها في حي بطن الهوى، أو أن بعضها مهدد بالتهجير الفوري من قبل جمعية عطيرت كوهانيم الاستيطانية التي سيطرت قبل اكثر من عقدين على "وقف بنبينيستي" الذي تأسس في أواخر القرن التاسع عشر من أجل إقامة قرية يهودية- يمنية في المكان
منذ سيطرتهم على الوقف، يعمل أفراد عطيرت كوهنيم على تهجير السكان، وترتكز مطالب الإخلاء على قانون تمييزي من العام 1970 يُمكّن اليهود من المطالبة بأملاك كانت بملكيتهم قبل العام 1948، وبقيت تحت الحكم الأردني، في الوقت الذي لا يُمكّن فيه قانون أملاك الغائبين من العام 1950 الفلسطينيين من المطالبة بأملاك فقدوها في العام 1948 وبقيت داخل نفوذ دولة إسرائيل. الكثير من سكان الحي وصلوا إليه كلاجئين بعد حرب 48، وقد يفقدون منازلهم مرة أخرى. وأظهر تحقيق أجرته وزارة القضاء (على ضوء التماس قدمته جمعية "عير عاميم") في السنة الماضية أن جمعية " عطيرت كوهانيم" قد استولت على الوقف بهدف الاستيلاء على ممتلكات في سلوان، وهي متورطة في تضارب مصالح عميق.
ومع ذلك، لم تتوقّف عمليات الإخلاء. بل على العكس تمامًا، فقد استؤنفت مؤخرًا بكلّ قوّة بعد نحو عقد كامل من التوقّف عن الإخلاءات. وقد جرى إخلاء 33 عائلة حتى الآن، فيما تواجه 28 عائلة أخرى خطر الإخلاء الفوري بعد استنفاد الإجراءات القضائية في قضاياها، وقضت المحكمة بعدم السماح لها بالاستئناف. وفي هذه الأثناء، اقتحم مستوطنون المنازل التي أُخليت بالقوّة، وأصبح حضورُهم في الحيّ، مع حرّاسهم الشخصيين المدججين بالسلاح، مصدرًا دائمًا للاستفزاز والتوتر.
من الصعب على المرء أن يفهم ما يعنيه تهجير مجتمعات كاملة دون أن يلتقي بهذا التهجير وجهًا لوجه، وفي ذلك تكمن أهمية فيلم "شارع في سلوان" الذي أخرجته بيسان طيبي، حيث رافقت العائلات في بطن الهوى على امتداد فترة طويلة، وكسبت ثقة الناس الذين فتحوا لها بيوتهم. يركز الفيلم على طفلتين تحاولان الإمساك بطفولتهما وبصداقتهما في فترة تواجه فيها عائلاتهما شبح التهجير. وفي الأثناء، تكبران داخل واقع من القلق الدائم ممّا يخبئه الغد، ومن الهجمات العنيفة التي ينفّذها المستوطنون وقوات الأمن في شوارع الحيّ على نحو شبه يومي. وتنجح طيبي أيضًا في عرض لحظات الحياة اليومية الصغيرة التي تحمل معها قليلًا من المرح والترويح عن النفس، كما تُدخل في الفيلم اللغة البصرية المميّزة التي ابتكرها سكّان بطن الهوى والمتمثلة في رسومات الغرافيتي الضخمة على جدران المنازل، وينجحون من خلالها في التعبير عن احتجاجهم، بل وفي استعادة سرديّتهم من جديد.
يمكن التعامل مع الفيلم بحدّ ذاته كفعل مقاومة دون التشكيك بجودته الفنية. نحن نعيش مرحلة لا يمكن فيها الوقوف على الحياد، فالتهجير في سلوان يحصل أمام أعيننا، وعلى مسافة قصيرة من بيوتنا ومن دوائر حياتنا. الوقت ينفّذ ولا يجوز الصمت.
-------------------------
يهوديت أوفنهايمر هي المديرة العامة لجمعية عير عاميم. في 23.2.2026 سيعرض الفيلم "شارع في سلوان"، يليه حوار بمشاركة مخرجة الفيلم بيسان طيبي، أفيف تتراسكي. تدير الحوار نيطع تلمود. الدخول مجاني بالتسجيل المسبق.


