رأي: يستخدَم لمرّة واحدة – منطق عصر الأنثروبوسين

د. عوفري إيلاني | 08.12.2021 | تصوير: Unsplash

חד פעמי

ד"ר עפרי אילני"استعمِل وَارمِي" لم يعد مجرد مصطلح في عصرنا الراهن، فالحديث يدور عن منهج حياتي في عالم كل شيء فيها أصبح "لمرّة واحدة" – البلاستيك، والورق، والوقود الملوِّث. ربما يكمن حل المشكلة التي تهدّد وجودنا هو أن نتعلم العيش كما تعيش النباتات؟ هل يملك الإنسان القدرة على تغيير العادات الضارة، وإنقاذ الكرة الأرضية والحضارة الإنسانية برمتها؟

يكتب د. عوفري أيلاني زميل أكاديمية بلولونسكي حول الدلالات المختلفة لظاهرة "الاستخدام لمرّة واحدة"، وحول النحو الذي نتعامل فيه مع العالم. في شهر كانون الثاني 2022 ستفتَتَح سلسلة المحاضرات اعدّها د. إيلاني ويقوم بإدارتها- عصر الأنثروبوسين: الحياة بعد الطبيعة. تتناول سلسلة المحاضرات هذه أبعادا للأنثروبوسين والأزمة البيئية التي لا يجري التطرق إليها في العموم.

تتميّز الحقبة الراهنة – فيما تتميّز – في أن جيلنا يعايش أمورًا لم تحصل قطّ في التاريخ. هذا الامر يتعلق بالنقطة التي وصل إليها الجنس البشري كجنس عالمي يسيطر على كل ركن في كوكبنا. في كل عام نسمع عن أحداث استثنائية غير مسبوقة. وفي كل يوم نعايش ظواهر طبيعية تحصل مرة كل عشرات ملايين السنين – أكثر بكثير من النطاق الزمني لوجود الجنس البشري. على امتداد آلاف العقود تناول بني البشر مشكلات اقتصاديّة واجتماعية مختلفة، لكن الحرائق الهائلة في الدائرة القطبية الشماليّة، والذوبان واسع النطاق للجبال الجليدية لم تحصل على ما يبدو في أي فترة تاريخية. الأحداث التي نشهدها الآن نتيجة الأزمة البيئية هي إذا أحداث "لمرّة واحدة". نحن نعيش في وعي "يحدث لمرة واحدة".

ثمة تفسيرات عديدة لمفهوم "لمرّة واحدة". نحن نكرّر الجملة المستهلكة التي تقول إننا "نعيش لمرة واحدة". هذا الأمر صحيح بطبيعة الحال، لكن "لمرّة واحدة" التي تهمين على الوقت الراهن لا تشبه الحياة "لمرة واحدة" أو الحب "لمرة واحدة"، قدر شبهِها لتغليفٍ يستخدم لمرة واحدة، أو لفوطة تستخدم لمرة واحدة. هذه تسمى بالإنجليزية disposable، حيث تشدّد الكلمة على مصير المنتج: غرضٌ نتخلّص منه بعد الاستخدام. جاذبية المنتجات التي تستخدم لمرّة واحدة ترتكز بالضبط على حقيقة أنها معدة للاستخدام لمرة واحدة، ويوفّر ألقاءُها في سلة المهملات المتعة بدرجة لا تقل عن متعة استخدامها. وعلى هذا النحو نتعامل مع العالم: للأسف الشديد، يتمتّع المستهلك العادي من القدرة على استهلاكه، فهذا هو مدلول كلمة consumption: الاستهلاك، الإهلاك.

يمتلئ المحيط بالبلاستيك، وتعلو أصوات في بعض الدول القويمة تنادي بحظر استخدام الأدوات التي تستخدم لمرة واحدة. القشّ الخشبي يستبدِل القش البلاستيكي، وفي بعض الحوانيت يمتنعون حتّى عن طباعة الحساب ورقيًا. ظاهريا يبدو أن الانتقادات على امتداد بعض العقود المتتالية ضدّ ثقافة الاستهلاك قد ذَوّتت حساسية ضد استخدام الأغراض لمرّة واحدة. لكن عمليا الظاهرة معاكسة تماما: منطق الأدوات التي تستخدَم لمرة واحدة يسيطر الأن على جميع العلاقات التي نمارسها مع العالم.

نحن نتعلم التطرق للكرة الأرضية نفسها كمنتَج يستعمل لمرة واحدة كـ disposable. هذا الأمر طبيعي في نهاية المطاف، فقد علّمتنا عشرات السنين استخدام الأكواب التي تستخَدم لمرة واحدة، وأكياس النايلون أن منهج "استعمِل وَارمِ" هو الطريق الصحيح للتعامل مع العالم كله – مع المناظر الطبيعية، والمحيطات، والغابات، والموارد الطبيعية.

ثمة في حقيقة الأمر علاقة بين مفهوميّ "لمرّة واحدة". على مستوى الماكرو فإن ما يحصل الآن في الكرة الأرضية هو استهلاك (إهلاك) سريع لمخزونات الوقود الأحفوري الذي تراكم في قلب التربة على امتداد تاريخ الكوكب. نتحدث عن وقود مصدره الفحم الحجري الذي تراكم على امتداد ملايين السنين من خلال مسار تمثيل ضوئي (فوتو سينتيزا) الذي أجرته نباتات قديمة، وتراكمت على شكل فحم حجري ونفط وغاز طبيعي بقايا نباتات قديمة بقيت مدفونة في أعماق التربة.

פלסטיק
تصوير: Naja Bertolt Jensen

على امتداد نحو 200 عام، وبخاصة في العقود الأخيرة، استخدم الإنسانُ هذه المخزونات الهائلة للطاقة المدفونة، وتعلّم كيف يصنَع منها البلاستيك، وهو منتج من مشتقات النفط الذي نقوم باستخدامه. استخدام الوقود الأحفوري هو الشرط الذي مكّن من تعجيل النشاط البشري تعجيلا هائلا منذ الحرب العالمية الثانية، ومنَحَنا الحرية والرخاء والازدهار وإطالة العمر على نحو منقطع النظير، لكنّه خلق في الوقت ذاته تحولا جذريا غير مسبوق في كوكبنا السيار، فنحن نقوم بنقل سريع لمليارات أطنان الكربون من باطن الأرض إلى الغلاف الجوي.

لكن عندما نقوم بحرق النفط والفحم الحجري والغاز، فنحن لا نملأ الغلاف الجوي بالكربون فحسب؛ بل نقوم أيضا بإهلاك الطاقة التي اهتمّت النباتات بسجنها ببطء شديد على امتداد ملايين السنين. وستحتاج النباتات إلى ملايين إضافية من السنين كي تنتج مجدّدا مخزونات الطاقة التي تستنفذُها بوتيرة هائلة. ما يعنيه الأمر هو السيناريو التالي: إذا ظهرت في الكرة الأرضية حضارة أخرى بعد فنائنا، فليس من المؤكد أنّها ستعثر على ما يكفي من الطاقة الأحفورية التي تستطيع استخدامها. مرّة أخرى يتّضح أننا نتعامل مع كوكب الأرض منتج يستخدم لمرّة واحدة.

كي نتمكّن من البقاء على كوكبنا السيار، حريّ بنا أن نتعلم العيش كالنباتات؛ أن نعتمد على طاقات وعلى موادّ متجدّدة. ثمّة احتمال معقول بأن ننجح في ذلك، فقد بدأنا في السّنوات الأخيرة في التخلص جزئيا من تعلقنا بمخزونات الوقود القائمة. لقد تعلمنا استخلاص الطاقة من الشمس مباشرة، ما يسمى بالطاقة الشمسية. لكن هذا التغيير يحمل هو الآخر في طياته أثمانا باهظة. التحدي الماثل أمامنا هو خلق هذا التغيير بسرعة كافية كي ننقذ حضارتنا الإنسانية قبل فوات الأوان.

نوصي بمشاهدة محاضرات حول موضوع الأزمة المناخية الأدب، الرأسمالية، والأزمة المناخية، الإنسان والبيئة – اليوم التالي؟ والقراءة حول تحدي الأنثروبوسين – ورشة بحثية جديدة.

الانضمام الى القائمة البريدية