افتتاحية: هنا ليست روسيا؟! متى وكيف نفكّر بالمقارنة

يوليا لِرنِر وإينا لايكين
article icon

منذ بداية عام 2023، ومع تصاعد الاحتجاجات ضدّ الانقلاب على نظام الحكم في إسرائيل، انضمّ إلى المظاهرات الأسبوعيّة ناطقون بالروسيّة كانوا قد وصلوا إلى إسرائيل في أعقاب الحرب التي تشنّها روسيا على أوكرانيا، والتي بدأت بالغزو في 24 من شباط 2022، وحصلوا على المواطنة في السنوات الأخيرة. من بين اللافتات الكثيرة في تلك المظاهرات، كان بالإمكان رؤية لافتة باللغة الروسيّة تحذّر: “لقد سبق ودمّرنا دولة!”

(Одну страну уже просрали!) في ربيع 2023، خُلِّدت هذه اللافتة في عمل للفنّانة زويا تشِركاسكي، الفنّانة الإسرائيليّة الناطقة بالروسيّة، المولودة بأوكرانيا. في اللوحة، تبدو اللافتة شامخةً فوق رأس متظاهرٍ يرتدي قميصًا كُتب عليه «ديمقراطيّة» ويحمل علم إسرائيل.

مصدر التعبير “لقد سبق ودمّرنا دولة!”، الذي اختارت تشِركاسكي تخليده، يعود إلى مقولة شائعة انتشرت بعد تفكّك الاتّحاد السوڤييتيّ: “أيّ دولة [رائعة] دمّرناها!”. في خضمّ الفوضى الاجتماعيّة التي عمّت خلال تسعينيّات القرن الماضي، كان هذا التعبير شائعًا للتعبير عن تجربة الإخفاق السياسيّ لانهيار الدولة والحنين إلى الحياة السوڤييتيّة المألوفة. أمّا بالنسبة إلى المهاجرين الناطقين بالروسيّة، المشاركين الجدد في الاحتجاجات ضدّ الانقلاب على نظام الحكم في إسرائيل، وأغلبهم وُلِدوا في روسيا ما بعد السوڤييتيّة ولم يعرفوا الاتّحاد السوڤييتيّ يومًا، فقد وصف هذا التعبير، على أرجح تقدير، فقدان الأمل الليبراليّ ما بعد السوڤييتيّ. كثيرون منهم كانوا يَرَون أنّ روسيا التي نشأوا فيها كانت دولة حرّة نسبيًّا ومتقدّمة إلى حدٍّ ما، إلى أن تحوّلت إلى “روسيا پوتين”، التي “دُمِّرت” هي الأخرى، وهو حدث دفعهم إلى مغادرتها على عجل.

افتتحنا العدد بلوحة تشِركاسكي لأنّها تتيح لنا التأمّل في الدلالات الثقافيّة والسياسيّة التي يقدّمها لنا العمل التأويليّ للمقارنة. فبصيغته الإسرائيليّة، ترجم تعبير “لقد سبق ودمّرنا دولة!” تجربة فقدان روسيا الليبراليّة إلى فقدانٍ محتمل لإسرائيل، التي هاجر إليها هؤلاء الناس ورأوا فيها ملاذًا من سيرورات تحوّل النظام في روسيا إلى الأوتوقراطيّة (لِرنِر وفِرتر 2023). تجسّد لوحة تشِركاسكي المقارنة بين تحوّلات نظام الحكم في روسيا وسيرورات تحوّل النظام في إسرائيل. كما تشير، وإن بصورة غير صريحة، إلى الفعل المواطنيّ المنشود في المقاومة، الذي يتوجّب اتّخاذه ضدّ الخراب. بعبارة أخرى، هذا التعبير هو نتاج فعل تأويليّ يقارن بين التجربة المواطنيّة في روسيا والتجربة المواطنيّة في إسرائيل.

في هذا العدد، نُدخل إسرائيل وروسيا، وإلى حدٍّ بعيدٍ أوكرانيا أيضًا، ضمن إطار مقارن واحد، لنفحص الدلالات التي تنطوي عليها المقارنة، سواء بوصفها فعلًا تحليليًّا تقوم به الباحثات، أم فعلًا تأويليًّا يقوم بموضوعات البحث ومواضيعه، للاضطرابات السياسيّة المتفجّرة في هذه المجتمعات ولتجارب المواطنين فيها.

تقارن النصوص في هذا العدد بين أنظمة حكم، وبين حقب زمنيّة، وبين عوالم أخلاقيّة وعاطفيّة، وبين دول، وبين طرق التعبير والفعل السياسيّ. وهي تتناول المقارنة وتفحصها على مستويَين تحليليَّين: emic — الكيفيّة التي يَمنح بها أبناء وبنات ثقافةٍ ما المعنى لحياتهم، و-etic — الإطار التحليليّ لدى الباحث.ة لتفسير الظواهر الثقافيّة. الفرضيّة التي وجّهت التفكير في هذا العدد والعمل عليه هي أنّه في لحظات الذروة، كالحرب والتغيير النظاميّ والانهيار الاقتصاديّ، أو في حالات الهجرة، تتشحذ قيمة العمل التأويليّ للمقارنة. فالمقارنة بوصفها أداةً تحليليّة لدى الباحثين، تضع سياقَين اجتماعيَّين وسياسيَّين أحدهما إزاء الآخر — روسي مقابل إسرائيلي، أو إسرائيلي مقابل أوكراني — تتيح إدراك مقدار السيرورات السياسيّة المتفجّرة. أمّا المقالات التي تفحص المقارنة بوصفها فعلًا تأويليًّا يقوم به المواطنون — إسرائيليّون جدد، إسرائيليّون قدامى أو مواطنون روس — فتركّز على الكيفيّات التي تتيح لهم المقارنة من خلالها أن يموقعوا أنفسهم في الحيّز الاجتماعيّ وفي الخطابات السياسيّة المتشكّلة، مع الحرب أو ضدّها، إلى جانب الدولة أو بمواجهتها.

إنّ تركيز النظر المقارن، الذي يربط بين السياقات الاجتماعيّة والسياسيّة، يتيح التعرّف على الكيفيّة التي تُترجَم بها تجارب التحوّل السياسيّ من ميدان إلى آخر عبر اتّفاقيّات ثقافيّة قائمة. فحين تتقابل سياقات سياسيّة مختلفة وجهًا لوجه، حرب في أوكرانيا وحرب في إسرائيل، تحوّل النظام في إسرائيل ونظام قمعيّ في روسيا، احتلال إسرائيل للضفّة الغربيّة وغزّة واحتلال روسيا لمساحات شاسعة في أوكرانيا، يتشكّل فضاء يشبه غرفة مرايا، فضاء تنكسر فيه الهويّات الاجتماعيّة وتُختَبر وتُشحَن بدلالات جديدة عبر انعكاساتها في سياقات سياسيّة أخرى. وكما تُبيّن مجموعة النصوص في هذا العدد، تعمل المقارنة كمنشورٍ تأويليٍّ يربط بين هذه السياقات ويتيح فحص الكيفيّة التي تُنتج بها الذوات معاني سياسيّة، والكيفيّة التي تعيد بها هذه المعاني تشكيل المخيّلة السياسيّة للفاعلين الاجتماعيّين، والكيفيّة التي يوجّهون بها سُبل عملهم في حالات الأزمة وتغيّر النظام الاجتماعيّ والأخلاقيّ.

القيمة التحليليّة والتأويليّة للمقارنة

للمقارنة تاريخ طويل في العلوم الاجتماعيّة عامّةً، وفي الأنثروبولوجيا خاصّةً[1]. والواقع أنّ المنظور المقارن شكّل الأنثروبولوجيا منذ نشأتها، وكان مبدأ التأسيس لهذا التخصّص. في النصف الأوّل من القرن العشرين سعت الأنثروبولوجيا إلى إنشاء لغة تحليليّة موحّدة تتيح التعرّف على أنماط الثقافة الإنسانيّة عبر وضعها بعضها قبالة بعض[2]. وثمّة تقليد آخر من البحث المقارن في الأنثروبولوجيا انتقد هذا المنظور المقارن، بحجّة أنّه يفرض سلطةً تحليليّةً قد تؤدّي إلى اختزال السياقات المحلّيّة (Candea 2017). تمحور هذا التقليد حول مستوى الـ-emic، واستخدم المقارنة أداةً اكتشافيّةً لـ”ترجمة” الاختلاف الثقافيّ قيد البحث. خَدَمَ هذا النوع من المقارنة الباحثين والباحثات أيضًا بوصفه وسيلةً للنظر التأمّليّ في ثقافتهم هم أنفسهم — تأمّل امتدّ في حالات معيّنة إلى الخطاب العامّ الأوسع. بهذا الشكل، تحوّل العمل الشهير لمارغريت ميد عن سيرورات البلوغ والحياة الجنسيّة في ساموا بسرعة إلى وسيلة للتفكير النقديّ في الجنسانيّة في الثقافة الغربيّة وفي العلاقات الهرميّة بين التصوّرات الغربيّة وإمكانيّات الفعل غير الغربيّ (Janiewski 2001). ومع ذلك، وعلى الرغم من التوتر الكامن في المقارنة، وعلى الرغم من خطر اختزال سياقات ثقافيّة بعينها، فإنّ المنظور المقارن الذي يضع ظاهرتَين وجهًا لوجه ما زال يخدم كأداة اكتشافيّة مفيدة تتيح إنارة أبعاد سياسيّة واجتماعيّة من خلال التأمّل المتبادل لظاهرةٍ في أخرى.

للمقارنة تجلّيات مختلفة ومخزون واسع من الاستخدامات، لكنّنا في هذا العدد نستخدمها مصطلحًا مظلّيًّا لسلسلة من الممارسات التحليليّة والتأويليّة، كالقياس، والموازاة، والتشابك. ومن التصوّرات الشائعة أنّ المقارنة ميل إنسانيّ كونيّ وجزء لا يتجزّأ من كوننا بنات وأبناء البشر؛ “أنا موجود، إذًا أنا أقارن” (Detienne 2008; Candea 2019). لكن، حتّى لو سلّمنا بأنّ الأمر يتعلّق بفعل إدراكيّ كونيّ، فإنّ المقارنة — بوصفها فعلًا بحثيًّا تحليليًّا وفعلًا تأويليًّا لموضوعات البحث — تبقى دومًا متجذّرةً في سياق ثقافيّ، وفي تنظيم اجتماعيّ، وفي نظام سياسيّ محدّد تتغذّى منه. ومن هنا، فإنّ الأسئلة التي وجّهت العمل في هذا العدد هي: مَن يقارن ومتى، بين ماذا وماذا تجري المقارنة، في أيّ ظروف اجتماعيّة تُجرى المقارنة، وأيّ أهداف تخدم.

مثالٌ على عملٍ يُجسّد القيمة التحليليّة للمقارنة بوصفها لغةً بحثيّةً هو مقالة ألكس ڤِلدْمان «’نهاية التاريخ’ والوعي التاريخيّ الدوغمائيّ: روسيا، إسرائيل والماضي اليهودي–السوڤييتي». يستخدم ڤِلدْمان المقارنة بين روسيا وإسرائيل كمنصّة قفز للنقاش النقديّ حول التسييس، وحول الموقف الدوغمائيّ من أحداث تاريخيّة دراميّة شهدها المكانان في تسعينيّات القرن العشرين. ففيما يتعلّق بروسيا، يتجسّد الوعي التاريخيّ الدوغمائيّ في تبنّي سرديّة إسخاتولوجيّة لتفكّك الاتّحاد السوڤييتيّ — تصوّر الحدث بوصفه “نهاية التاريخ” وانتصارًا للديمقراطيّات الليبراليّة لدى كثير من المؤرّخين والسياسيّين في الغرب، وفي المقابل تصوّره بوصفه كارثةً جيوسياسيّة يرى نظام پوتين أنّ من واجبه الأخلاقيّ تصحيحها. أمّا هيمنة هذا النوع من التفكير التاريخيّ الثنائيّ الإقصائيّ — انتصار مقابل إخفاق، أو قمع مقابل نضال — فيمكن التعرّف عليها أيضًا في إسرائيل التسعينيّات، في فكرة “الشرق الأوسط الجديد”، وفي محاولات الائتلاف اليمينيّ القوميّ الحاليّ “تصحيح” “مظالم أوسلو”. بالنسبة إلى ڤِلدْمان، فإنّ الموضوع الذي يربط السياقَين هو يهود الاتّحاد السوڤييتيّ، ومن خلاله يُبيّن تأثيرات التفكير التاريخيّ الحتميّ في تأسيس سرديّات تاريخيّة شعبيّة عن يهود الاتّحاد السوڤييتيّ. ووفقًا لحجّته المقنعة، فإنّ هذه السرديّات تَعتبر انهيار الاتّحاد السوڤييتيّ نوعًا من “نهاية التاريخ” أو “الخروج من مصر” في الإسخاتولوجيا (علم الآخرات أو علم آخر الزمان) الصهيونيّة. فقد أتاح ذلك ليهود الاتّحاد السوڤييتيّ، الذين كانوا يُنظر إليهم في إسرائيل وفي جاليات يهوديّة في أمريكا الشماليّة وأوروبا الغربيّة بوصفهم محرومين من أفق ومعنى، أن يحقّقوا يهوديّتهم. في التأويل الصهيونيّ، الذي وضع يهود الاتّحاد السوڤييتيّ ضمن سرديّة-عُليا للتحرّر القوميّ اليهوديّ، حظيت حركة المعارضين اليهود للنظام في الاتّحاد السوڤييتيّ — وهي حركة كانت في الواقع متواضعة الحجم — بمكانة بطوليّة، واعتُبرت ساعيةً إلى تعجيل نهاية التاريخ. ينتقد ڤِلدْمان التصوّر التاريخيّ الذي يحدّد الهويّة اليهوديّة “المرغوبة” بمصطلحات الالتزام القوميّ الفاعل، وكذلك التأويلات الدينيّة الأرثوذكسيّة التي تواصل تشكيل الكتابة التاريخيّة عن يهود الاتّحاد السوڤييتيّ. يسعى ڤِلدْمان إلى استعادة قصّة الأغلبيّة اليهوديّة السوڤييتيّة ورسمها لا كتجسيدٍ للمعاناة أو للبطولة الصهيونيّة، بل كقصّة معقّدة لتجربة مواطنيّة سوڤييتيّة متعدّدة الأوجه لذات تاريخيّة قائمة بحدّ ذاتها. وبهذا، فإنّ المقارنة بين روسيا وإسرائيل في مقالة ڤِلدْمان تخدم محورًا للنقد إزاء التفكير التاريخيّ المستند إلى الإيمان بالعدالة التاريخيّة أو بالحتميّة التاريخيّة على حساب البُعد الإنسانيّ المتمحور حول الذات وتجربة حياتها في خضمّ ظروف سياسيّة معيّنة.

إلى جانب استخدام المقارنة أداةً تحليليّة، يتناول جزء كبير من مقالات هذا العدد فحص المقارنة بوصفها آليّةً ثقافيّةً تُنتج بواسطتها موضوعات البحث أوجه الشبه والاختلاف، وتُميّز الفروق، وتُعيد تعريف الحدود الاجتماعيّة، وترسم الحدود الأخلاقيّة (Dekker et al. 2025). تتقصّى هذه الأبحاث فعل المقارنة بوصفه أداةً تأويليّة للتعاطي مع عدم اليقين في الواقع المتفجّر، ووسيلةً لموقعة الذات في حقل سياسيّ يتزعزع. يتيح هذا النوع من التحليل أيضًا الإشارة إلى الطابع السياسيّ لفعل المقارنة، وبيان الكيفيّة التي تُشحَن بها ممارساتها اليوميّة بدلالات تُعرّف حدود المخيّلة السياسيّة لمن يقارن بين سياقات مختلفة.

يظهر تحليل عمل التأويل في المقارنة في مقالة نير غازيت “سؤال هويّة: متطوّعون إسرائيليّون في حرب روسيا–أوكرانيا”. تعرض المقالة أصواتًا نادرة ليهود إسرائيليّين خرجوا للتطوّع كمقاتلين أو داعمين للقتال دفاعًا عن أوكرانيا. غالبيّة المُحاوَرين يحملون مواطنة إسرائيليّة ولديهم صلة عائليّة بإحدى دول ما بعد الاتّحاد السوڤييتيّ — هم أنفسهم أو والداهم وُلِدوا في روسيا أو في أوكرانيا. بالنسبة إلى هؤلاء المتطوّعين، تُشكّل الحرب في أوكرانيا، والحرب بشكل عامّ، فضاءً للمقارنة يخدم توضيح هويّتهم الشخصيّة، وموقعهم الاجتماعيّ داخل إسرائيل وأوكرانيا، وعلاقاتهم بهذين الكيانَين السياسيَّين. في قصص حياتهم، تتوسّط المقارنةُ بين الجيوش والحروب والدول ديناميكيّةَ تماهيهم مع إطارَين اجتماعيَّين وجماعتَين قوميّتَين، حقيقيّتَين ومتخيّلتَين في آنٍ معًا — إسرائيل وأوكرانيا. في حالة هؤلاء المتطوّعين، الذين يرغب غازيت في تأطيرهم بوصفهم مهاجرين-عابرين (ترانس-مهاجرين)، فإنّ الحرب — التي تحرّك الفعلَ التأويليَّ للمقارنة — لا تُعزّز بالضرورة هويّةً قوميّةً إسرائيليّةً أو أوكرانيّة، بل تتكشّف بوصفها حدثًا يُنتج هويّةً غامضةً ومُكسَّرة، بل وحتّى شعورًا بالتقطّع الاجتماعيّ. على الرغم من أنّ المُحاوَرين في بحث غازيت لا يبدون نقدًا مباشرًا للحرب في غزّة، فإنّ عودتهم من القتال في أوكرانيا تترافق مع توجيه نقدٍ مواطنيٍّ تجاه دولة إسرائيل، التي يرَون أنّها تُخفق في الاعتراف بفعلهم بوصفه مساهمةً وبطولة.

بخلاف الأبحاث السابقة التي مالت إلى تقديم الحروب والتجنيد العسكريّ بوصفها لحظات سيريّة تُبلوِر هويّةً جماعيّةً إثنيّةً-قوميّة، يُؤكّد غازيت أنّ المشاركة في حربٍ “أجنبيّة” — هي في الوقت نفسه “حرب على البيت” — قد تُفكّك أُطرَ هويّةٍ من هذا النوع بطريقة لا تقود بالضرورة إلى تبلور هويّات بديلة ثابتة. وهكذا فإنّ تجربة القتال، بالنسبة إلى معظم المتطوّعين، تشكّلت من خلال سرديّة مزدوجة: جزءٌ لا يتجزّأ من قصّة حياة شخصيّة وعائليّة، وفي الوقت ذاته تعبيرٌ عن المشاركة في صراع عالميّ بين الخير والشرّ. ومع أنّ كثيرًا من المتطوّعين تبنّوا تصوّرًا لهويّة عالميّة، فإنّهم ما زالوا يلتمسون الاعتراف بمساهمتهم بوصفهم “مواطني العالم” في الميدان القوميّ لإسرائيل. وفي تجاربهم، فإنّ هذا الميدان، ومثله الميدان القوميّ الأوكرانيّ، أخفق في منح هذا الاعتراف. على هذه الخلفيّة، تُختبر هويّتهم المكسورة بوصفها هويّةً مأزومة، نابعة من صعوبة ترجمة مشاركتهم في الحرب باسم “الصالح العامّ” إلى مكاسب ملموسة، أو حقوق، أو اعتراف اجتماعيّ في الميدان المحلّيّ.

وفي مقالة تانيا ڤينوڤا، “‘نفس السيناريو، ديكور مختلف’: تجربة الحرب المضاعفة للمهاجرات من أوكرانيا في إسرائيل”، تَحضُر الحربُ في أوكرانيا بوصفها موضوعَ مقارنة ذا أهميّةٍ بالغةٍ لسيرورات التماهي لدى إسرائيليّات من أصل أوكرانيّ. بالنسبة إلى المُحاوَرات في بحث ڤينوڤا، تُشكل تجربة الغزو الروسيّ لأوكرانيا إطارًا مرجعيًّا يَمنح المعنى للحرب في غزّة، والعكس صحيح. تفحص ڤينوڤا الكيفيّة التي تستخدم بها موضوعاتُ بحثها المقارنةَ أداةً تأويليّةً، وتركّز على محاولات المهاجرات/الوافدات الجديدات والقديمات من أوكرانيا منح معنى للكيفيّة التي يَختبرن بها الحرب بين روسيا وأوكرانيا وحرب السابع من أكتوبر. وتذهب إلى أنّ المُحاوَرات يستنفرن المقارنة من أجل خلق معنى ثابت لتجربة الأزمة المزدوجة.

كما في مقالة غازيت، يتمحور التحليل السرديّ هنا أيضًا حول الدور السياسيّ والأيديولوجيّ للمقارنة. لكن، خلافًا لاستنتاجات غازيت، تجد ڤينوڤا أنّ عمل المقارنة يتيح للمُحاوَرات دمج تجاربهنّ من الحربَين ضمن مخزون الإيتوس اليهوديّ-الإسرائيليّ. فقبل السابع من أكتوبر، أمدّ توجيهُ سرديّة الحرب في أوكرانيا عبر الإطار التأويليّ لتجربة النزاع الإسرائيليّ-الفلسطينيّ، المُحاوَراتِ بعدسة مألوفة لمعالجة الصدمة من الغزو الروسيّ لأوكرانيا. ومن موقع مَن «يعرفن الحرب»، استعنّ باتّفاقيّات ثقافيّة لروتين القتال وبأُطر أيديولوجيّة جاهزة لنزاع مُدار، من أجل منح المعنى للواقع الجديد للحرب في المكان الذي قَدِمن منه إلى إسرائيل قبل عشرين أو ثلاثين عامًا. أمّا بعد السابع من أكتوبر، فقد كان الغزو الروسيّ لأوكرانيا هو ما زوّدهنّ بإطارٍ وفئات — الخير في مواجهة الشرّ — لتأويل الصدمة من هجوم حماس. ومن المثير للاهتمام تحديدًا أنّ الحرب في أوكرانيا فتحت أمام المُحاوَرات فضاءً لأسئلة بشأن انتماءاتهنّ وهويّاتهنّ المركّبة (والمتناقضة أحيانًا) في إسرائيل، إلّا أنّ المقارنة بينها وبين هجوم حماس وحرب السابع من أكتوبر قلّصت هذا الفضاء وعزّزت هويّتهنّ الإثنيّة-القوميّة الإسرائيليّة. عمل المقارنة هنا اشتغل بوصفه آليّةً تُغلق إمكانيّات أخرى للتأويل أو للتشكيك أو للنقد إزاء الحرب في غزّة. لقد عزّز التصوّر القائل إنّه «لا يمكن المقارنة» بين ما يجري في إسرائيل وأيّ واقع آخر — وهو تصوّر يعمل بوصفه عائقًا أمام التأويل النقديّ. وبعبارة أخرى، عملت المقارنة بين الحربَين بوصفها آليّةً تأويليّةً أطّرت الوعيَ السياسيَّ للمُحاوَرات وذوّبته في مخزونات ثقافيّة مهيمنة في المجتمع الإسرائيليّ. لم تساعدهنّ فحسب على موقعة أنفسهنّ إزاء الإيتوس القوميّ اليهوديّ-الإسرائيليّ وداخله، بل ساعدت أيضًا على إعادة إنتاجه من خلال توسيع السرديّات التي عزّزته.

في حوارٍ مع التقاليد الأنثروبولوجيّة لاستخدام المنظور المقارن، تسعى هذه الأعمال، إلى جانب نصوصٍ أخرى في هذا العدد، إلى تطوير «مقارنة مكتنزة» (thick comparison) أداةً تحليليّةً لفهم التجربة المواطنيّة في مجتمعات تتعرّض لاضطرابات سياسيّة. هذا نوع من المقارنة لا يفترض وجودًا قبليًّا لموضوعَين قابلَين للمقارنة، بل يفحص الكيفيّة التي تُخلَق بها الموضوعات بوصفها قابلةً للمقارنة وتحوز قيمةً تأويليّةً (Niewöhner and Scheffer 2010). هذا النوع من المقارنة يتيح لنا التعمّق في تنوّعٍ من الممارسات والمخزونات الاجتماعيّة في سياقات ثقافيّة وسياسيّة متنوّعة — روسيّ وإسرائيليّ، أوكرانيّ وإسرائيليّ، يهوديّ وإسرائيليّ، وكذلك فلسطينيّ وإسرائيليّ.

مثالٌ على تأويلٍ مكتنزٍ يسعى إلى التعلّم عن الظواهر من خلال سياقٍ مقارنٍ تقدّمه مقالة  فربارا أدريانوفا، إيفان إيفانوف، سفتلانا تشاتشاشفيليبولوتين، وميروسلافا بوريسوفا“لا أريد التحدّث عن ‘هذا’: حوارات مع أطبّاء في روسيا وأطبّاء قادمين من روسيا”. يقارن الباحثون بين سُبل تعامل أطبّاء بقوا في روسيا، وأطبّاء هاجروا منها إلى إسرائيل بعد الغزو العسكريّ لأوكرانيا. على الرغم من اختلاف الظروف السياسيّة في إسرائيل وروسيا، فإنّ نمطًا متشابهًا من تجنّب الحديث الصريح عن الحرب يسود لدى المجموعتَين. يُبيّن المؤلّفون أنّ مَن بقوا ومَن غادروا إلى إسرائيل، كلاهما لا يكاد يتحدّث عن الحرب صراحةً، ليس بدافع اللامبالاة بالضرورة، بل بسبب نقصِ معجمٍ متاحٍ لهم ومشروعٍ من منظور النظام. ففي ظلّ غياب أُطر تأويليّة مشروعة ولغة مشتركة وآمنة، يصبح الكلام السياسيّ ملتويًا، مُجزّأً، أو مُكتَمًا. للتعامل مع الفجوة بين الانعكاسات الثقيلة للحرب على حياتهم وبين نقصِ أُطرِ تأويلٍ مقبولة قادرة على التعبير عن هذه الانعكاسات، يستنفر المُحاوَرون من المجموعتَين الأخلاقيّاتِ الطبّيّةَ للحياد — مَثَل مهنيّ يتيح لهم تجنّب التصريحات السياسيّة الصريحة، وحماية أنفسهم اجتماعيًّا ومهنيًّا، وفي الوقت ذاته التعبير ضمنيًّا عن موقف أخلاقيّ تجاه الحرب. هكذا، فإنّ الحياد، فضلًا عن كونه قيمةً مهنيّة، يصير استراتيجيّةً للتعامل مع غياب التأطير التأويليّ ومع المخاطر المُلازمة للكلام السياسيّ الصريح.

 

سياسة المقارنة

المقارنة المكتنزة تستلزم بالضرورة الالتفات إلى تبعاتها السياسيّة. أحد الانتقادات الشائعة والمعروفة في الأدبيّات هو أنّ المقارنة، بوصفها فعلًا تحليليًّا، قد تَفرض على السياقات المحلّيّة فئات لا صلة لها بها، وتُزيح إلى الهامش طُرقَ تفكيرٍ وفعلٍ محلّيّة، بل وتمحو حتّى السياقات التاريخيّة التي تَأسّست في رحمها التصوّرات والظواهر المحلّيّة. هكذا، يمكن للمقارنة أن تصير وسيلةَ تحكّمٍ ورقابة: مَن مَسموحٌ له أن يقارن، وبأيّ مصطلحات، وبيد مَن السلطة لتحديد ما يُعتبر أصلًا قابلًا للمقارنة (Asad 1986; Chakrabarty 2007)[3].

تُبيّن الأبحاثُ حول الدور المنضبط لفئات المعرفة أنّ فعل المقارنة، بأشكاله المختلفة، يُسهم في خلق الهرميّات وفي رسم الحدود بين ما يُعَدّ طبيعيًّا وما يُعَدّ شاذًّا. فحين يُقدَّم نموذج واحد بوصفه معيارًا، تُفحَص الظواهر الأخرى من خلاله — يتشكّل تصوّر “النجس” في مواجهة تصوّرات “الطهارة”، مثلًا، وكذلك تصوّرات “المباح” و”المحظور”، أو تصوّرات “نحن” و”هم”. بهذا المعنى، تُشارك المقارنةُ في تشكيل أنظمةِ حقيقةٍ تتشكّل في داخلها علاقاتُ قوّة — قوّة تتعزّز بالتأكيد حين تُقدَّم المقارنات على أنّها “محايدة” ومقياسٌ ثابت لا يَقبل الاعتراض على الواقع (Asad 1986; Strathern 2004).

تُجسّد أعمالُ هذا العدد النقاشَ النقديّ، وتكشف المواقف القِيَميّة المُدمَجة في العدسة المقارنة. هكذا، تفحص يوليا شِڤتشِنكو في مقالتها “ما بعد الروسيّة: ما بعد السوڤييتيّة تحت الحرب” فئة الهويّة “ما بعد السوڤييتيّة” بوصفها فئةً داخليّة من منظور المبحوثين (emic) وبوصفها فئةً سياسيّةً نظريّةً خارجيّة. تُفحَص ما بعد السوڤييتيّة بوصفها مرتكزًا هويّاتيًّا متناقضًا، يخدم أساسًا للمقارنة بين مخزونات هويّاتيّة وأنماط تصنيف سياسيّ. التحرّك التحليليّ لدى شِڤتشِنكو يضع ما بعد السوڤييتيّة جنبًا إلى جنب مع ما بعد الكولونياليّة، بوصفهما فئتَي تصنيفٍ لهويّاتٍ اجتماعيّة باتت في اللحظة الحاضرة تخضع لتشكيك مُجدَّد على خلفيّة حرب روسيا في أوكرانيا وحرب إسرائيل في غزّة. صحيحٌ أنّ العدسة ما بعد الكولونياليّة تُساعد على فهم النقد إزاء ما بعد السوڤييتيّة بوصفها فئةً تُعيد إنتاج قوّةٍ إمبرياليّة روسيّة، لكنّ شِڤتشِنكو تُبيّن أنّ لهذا النقد أيضًا — وكذلك لرفض ما بعد السوڤييتيّة بوصفها فئة هويّة داخليّة مهمّة — نقاط عمى دلاليّة. ومن خلال تحليل تجارب مهاجرات ناطقات بالروسيّة من الاتّحاد السوڤييتيّ السابق في إسرائيل، تشير إلى ذات ما بعد سوڤييتيّة تقع بين تصوّرات قوميّة كولونياليّة إسرائيليّة وبين خطابٍ دي-كولونياليٍّ مناهضٍ للسوڤييتيّة. وللخروج من نقطة العمى هذه، تقترح شِڤتشِنكو عدسةً نسويّةً متعدّدة المحاور تفحص الهويّة والأداء الجنسيّ لدى النساء، ما بعد السوڤييتيّات، اللواتي لا يندمجن بسهولة في منظومة التصنيف الإثنيّ-القوميّ المحلّيّة في إسرائيل.

إنّ جَمعَ روسيا وإسرائيل، وإلى حدٍّ بعيدٍ أوكرانيا أيضًا، ضمن إطار مقارن واحد ليس أمرًا عابرًا؛ فهو يحمل حِملًا، ولذلك يُثير الشبهات. لقد دخلت المقارنة بين إسرائيل وروسيا فيما يصفه الباحثون اليوم بـ”مخزون المقارنة (repertoire of comparison) (Dekker et al. 2025) — مقارنات متكرّرة، مُمأسسة، وذات سلطة فاصلة. ففي أثناء الاحتجاج المدنيّ ضدّ الإصلاح القضائيّ، خَدَمت السيروراتُ السياسيّة في دول شرق أوروبا، ولا سيّما بولندا والمجر، بوصفها إطارًا مرجعيًّا لفهم خطوات الحكومة في إسرائيل وللتفكير في خطوات احتجاجيّة ضدّها (شني 2023). بالنسبة إلى الجمهور الإسرائيليّ، رسم نظام پوتين الاستبداديّ المحطّةَ النهائيّةَ لتحوّل نظام الحكم الذي بدأته الحكومة. ومع ذلك، حتّى حين كانت المقارنة بين روسيا وإسرائيل تُطرح، كان يتم التعامل  معها بوصفها مشبوهة، أو مبالغةً متعمَّدةً، أو تلاعبًا سياسيًّا ووعويًّا. وكانت تُولِّد ردود سخريّة، أو على الأقلّ رفعًا للحواجب: “مع كلّ الاحترام”، أو “على أيّ حال”، “هنا ليست روسيا”! (روم 2022).

حين نتبنّى منظورًا تاريخيًّا مقارنًا، يمكن رؤية أنّه على الرغم من الاختلاف البنيويّ الموضوعيّ بين روسيا وإسرائيل، فإنّ لهما أيضًا بعض القواسم المشتركة. تربط بينهما علاقةٌ تاريخيّةٌ أدّت دورًا مبدئيًّا في تشكيل ثقافة سياسيّة إسرائيليّة (الحركة الصهيونيّة والاشتراكيّة). وتأخذان كلتاهما موقفًا متناقضًا تجاه الغرب؛ فهما في هوامش الغربيّة، شبيهتان بها لكنّهما “الآخر”، وتتحدّيان — كلٌّ بطريقتها — مؤسّساتٍ تُعرَف على نحوٍ واضحٍ بأنّها غربيّة (الأمم المتّحدة، حلف الناتو) وجدول الأعمال الغربيّ ما بعد الحرب العالميّة الثانية. وكلتاهما متجذّرتان في مشاريع كولونياليّة — المشروع الإثنيّ-القوميّ “الاستيطانيّ” في إسرائيل والمشروع الإمبرياليّ في روسيا. لهذه المشاريع تأثيرها على الإنتاج الثقافيّ، والأدب، وعلى علاقات القوّة في كلا المجتمعَين. ومن المُشترك بينهما أيضًا في العقدَين الأخيرَين منعطفٌ سياسيٌّ استبداديٌّ مسيانيٌّ ومحافظ.

في الآونة الأخيرة، دخلت المقارنات، بين أنماط الاحتجاج، وبين الخطاب عن “الخائنين” و”العملاء الأجانب”[4] وغير ذلك، مهما كانت مُشبَعةً بالقلق السياسيّ — من الباب الأماميّ إلى الخطاب العامّ في إسرائيل. “مع كلّ الاحترام” استُبدلت بـ”يُحظَر أن نقارن، لكن…”. تُحذّر المقارنات من التشابه المُربك بين سيرورات الانقلاب على نظام الحكم في إسرائيل، التي بدأت في كانون الثاني 2023، وبين سيرورة تحوّل النظام السياسيّ في روسيا إلى الأوتوقراطيّة منذ تولّي ڤلاديمير پوتين الرئاسة عام 2000. وقد عزّز الغزو الروسيّ لأوكرانيا القيمةَ التأويليّة للمقارنة بين المشاريع القوميّة والاحتلال في كلا المكانَين. ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تكثّفت المقارنة في ضوء الحربَين القائمتَين فيهما، بالتوازي مع إجراءات قمعٍ تتّخذها حكومتاهما ضدّ المواطنين (سڤيتلوڤا 2024). كما تُعقَد مقارنةٌ بشأن مواجهة مواطني روسيا وإسرائيل للرأي العامّ الدوليّ ولعقوبات تَضرب في الغالب من يَعتبرون أنفسهم ذوي آراء ليبراليّة ومناهضة للحرب (كتسير وحوڤاڤ 2023؛ إيلاني 2024).

إذًا، فالمقارنة بين السيرورات السياسيّة في إسرائيل وما يجري في روسيا، والمقارنة بين الحرب في إسرائيل والحرب في أوكرانيا، خياراتٌ سياسيّةٌ تتحوّل أحيانًا إلى أفعالٍ سياسيّةٍ بحدّ ذاتها[5]. تتناول مقالة روتم ليشِم “المقارنات السياسيّة والتمثيلات الروسيّة في السياسة العاطفيّة لتويتر إسرائيل” المقارنات السياسيّة بين روسيا وإسرائيل في الخطاب الإسرائيليّ السياسيّ على الشبكات الاجتماعيّة. تفكّ المقالة استنفارَ تمثيلات روسيا على شبكة X في إسرائيل في مرحلة الاحتجاج ضدّ الانقلاب على نظام الحكم، وتُبيّن الدورَ المركزيّ للمصالح السياسيّة في تجييش المقارنات. فالمقارنات بين إسرائيل وروسيا، بين نتنياهو وپوتين، أو بين المحكمة العليا والبلاشفة، تُؤطّر الخطاب السياسيّ المُستقطَب في إسرائيل بوصفه خطابًا عاطفيًّا-أخلاقيًّا. وهي تُنتج حُكمًا قيميًّا على الحالة السياسيّة، وتُؤشّر إليها بوصفها حالةَ طوارئَ قصوى، وتُشكّل المخيّلةَ السياسيّةَ بشأن مستقبل إسرائيل. بالنسبة إلى المعسكرَين السياسيَّين — أنصار الحكومة والمعارضة على حدٍّ سواء — ترمز “روسيا” إلى البدائيّة، والعداء للساميّة، والشغف بالحكم السلطويّ والوحشيّ. هذه المجموعة من التمثيلات ترسم “الروسيّة” (Russianness) رمزًا يخدم الفاعلين السياسيّين في إسرائيل في تأويلهم للواقع السياسيّ المحلّيّ. يجد ليشِم، في تحليل منهجيّ متطوّر للتغريدات وتغريدات الردّ على شبكة X، أنّ معسكر مؤيّدي نتنياهو يَستنفر بشكل أساسيّ تمثيلات تاريخيّة يَتمثّل فيها النظامُ البلشفيّ السوڤييتيّ بمظالم حكمٍ تُعرَف بحزب “مپاي” التاريخيّ، الذي يُعرَف بدوره بـ”اليسار” اليوم؛ أمّا المعارضة فتستخدم تمثيلات معاصرة لنظام پوتين السلطويّ، تستحضر سرديّات اضطهاد ناشطي حقوق الإنسان ومعارضي الحكم، والإضرار بالمؤسّسات الليبراليّة، وقمع تعبيرات معارضة النظام من قِبل الحكومة الحاليّة. ووفقًا لحجّة ليشِم، ففي حالة استقطابٍ سياسيٍّ مَتفاقم وصراعٍ أيديولوجيٍّ حادٍّ على تأويل الواقع السياسيّ، تَملك هذه المقارنات القدرةَ على بلورة مشاعرَ غامضةٍ إلى سرديّاتٍ منسجمةٍ، وعلى تأسيس إلحاحٍ للفعل السياسيّ الأخلاقيّ.

 

المقارنة في العبور والهجرة

التفكير المقارن نشيطٌ على نحوٍ خاصٍّ لدى أولئك الذين يحملون في ذواتهم تقاطعَ الدولتَين — روسيا وإسرائيل، أو إسرائيل وأوكرانيا (روزوڤسكي 2024). بالنسبة إلى كثيرين منهم، يَصير التأمّل في تجربة الهجرة والمقارنة بين المواطنات، والحروب، والهجرات، أساسَ المخزون التأويليّ اليوميّ، ومصدرَ إلهامٍ لإنتاجٍ فنّيّ. تخلق علاقات الهجرة بين روسيا وإسرائيل، وكذلك بين دول الاتّحاد السوڤييتي السابق الأخرى وإسرائيل، مجموعاتٍ من شتاتٍ سياسيٍّ، يَتألَّم بعضها من “الوطنَين”، وبعضها يتأقلم معهما، وبعضها يقاتل من أجلهما.

يَمنح السياق الحاليّ لتشديد الرقابة والعنف السياسيَّين في روسيا وإسرائيل صورةً جديدةً للحنين — وهو موضوعٌ كلاسيكيٌّ في الكتابة البحثيّة والأدبيّة عن الهجرة. الحنين، الذي يُعبّر في الغالب عن مشاعر الاشتياق والتوق إلى المكان الذي غادرناه، يصير مصدرًا لمشاعر الحرج والذنب، بل قد يُؤوَّل خيانةً للجماعة السياسيّة الليبراليّة وللقيم الليبراليّة التي تحملها هذه الجماعة. لينور غوريليك، التي تَتألّف سيرتها الشخصيّة من انتقالات متكرّرة بين إسرائيل وروسيا وبالعكس، تكتب في مقالتها الأدبيّة “الحنين في خطاب الناطقين بالروسيّة من موجة الهجرة الجديدة” عن فقدان المعجم المألوف للتعبير عن الحنين وتوصيفه. تتناول الكاتبة الحنين في سياق هجرة سياسيّة إلى إسرائيل، يعتبرها مَن يعارضون حكم پوتين والحربَ الملعونةَ في أوكرانيا طريقًا للهروب من مكانٍ “سيّئ”. هل ما يَزال الحنينُ إلى مكانٍ هربوا منه بسبب معارضة الحُكم مسموحًا؟ لأجل تأطير هذه الصورة من الحنين الصامت، تتبنّى غوريليك منظورًا مقارنًا من نوعٍ آخر، وتستعين باللغة الروسيّة السياسيّة والثقافيّة لأدباء وفنّانين اضطُرّوا إلى الفرار من روسيا بعد ثورة البلاشفة، ووجدوا أنفسهم في حالةٍ مشابهة لكنّها مختلفة من الانكسار والاشتياق والتوق إلى مكانٍ فقدوه.

المخزون اليوميّ والدلالات السياسيّة للمقارنة تَظهر أيضًا في ملفّ أعمال الفنّ والشعر في هذا العدد. الفنّانون المشاركون فيه يصفون أنفسهم وأعمالهم بوصفها حركةً مركّبةً وغير خطّيّة بين ثقافات، وبين لغات، وبين فضاءات اجتماعيّة وسياسيّة. حاييم سوكول، المهاجر المُضاعَف، بل المُثلَّث، وصل إلى إسرائيل من أوكرانيا عام 1991، ثمّ انتقل إلى موسكو، وبعد الغزو الروسيّ لأوكرانيا عاد إلى إسرائيل. هو يهوديٌّ في كيانه، ويُعرّف نفسه إسرائيليًّا ناطقًا بالروسيّة وفنّانًا روسيًّا. في المقابل، زهدي قادري فلسطينيٌّ نشأ في الجليل، مواطنٌ إسرائيليٌّ “لا تعترف به دولة إسرائيل اعترافًا كاملًا”، وهو وضعٌ يدفعه إلى البحث عن تحقيق طموحاته الفنّيّة خارج إسرائيل. وهكذا وصل إلى روسيا. وعلى غرار سوكول، صار في روسيا فنّانًا ذا هويّةٍ كوزموپوليتيّةٍ أو أوروبّيّة. وفي روسيا اكتشف أيضًا تَعقُّدَ هويّته في عيون الآخرين، الذين يَرَونه تارةً عربيًّا أو مسلمًا، وتارةً صاحبَ جواز سفرٍ إسرائيليّ. في الحقبة المضطربة من التسعينيّات، شهِد هناك عنفًا من نوعٍ مختلفٍ عن ذلك الذي اختبره في إسرائيل. تَعكس أعمالُ الفنّانَين انشغالًا تأمّليًّا بالذاكرة العائليّة وكذلك بالتاريخ والنسيان القوميَّين. بالنسبة إلى سوكول، الفنّ “مصفاةٌ في قاع الحوض”: فهو يتيح التقاطَ وعرضَ ما يُحاول المرء إخفاءه من الذاكرة الجماعيّة القوميّة. أعماله تعالج العنفَ السياسيَّ، والتفوّقَ الإثنيَّ، والشعورَ بالضحيّة في إسرائيل وروسيا على حدٍّ سواء. أمّا بالنسبة إلى زهدي، فالفنّ “فضاء الحقيقة”. أعماله تُوثّق فضاءَ الحياة الفلسطينيّة لحظةً قبل الدمار، والحياة بعده.

شعرُ ييڤغينيا ڤِجليان متجذّرٌ في رقّاص المقارنة بين الهويّة والذاكرة على محور روسيا-إسرائيل-روسيا. إلى جانب عمل المقارنة البصريّة لدى سوكول وقادري، في ثلاث متتاليات شعريّة — عن الأدب، وعن الفضاء، وعن الذاكرة — تتقاطع لديها تمثيلاتٌ من هنا ومن هناك. ڤِجليان قَدِمت إلى إسرائيل من موسكو، التي تتجلّى في تمثيلاتها الشعريّة بوصفها تجسيدًا للأدب والثقافة، للشعر والإبداع في الطين. لكنّها قَدِمت أيضًا من موسكو الحرب، إلى داخل الواقع الجديد للحرب والعنف. قصائدها تتحدّث عن أشياء وثياب من هنا ومن هناك، لكن أيضًا عن استبدال عنفٍ بآخر، وفقدانٍ بآخر، وعن فراق  الأدب، عن الأشياء التي تُرِكت على عجل، وعن الذكريات. هذا إنتاجٌ تأمّليٌّ يُلقي الضوء على تجربة الازدواج والتراكب بين المكانَين في حالة الحرب — تشابهٌ واختلافٌ متَخيَّلان بين فضاءٍ ومنظرٍ في إسرائيل وفضاءٍ ومنظرٍ في روسيا.

“الطبيعيّة” في المقارنة

يستند جزءٌ كبير من الأعمال في هذا العدد، التي تتأمّل في معنى المقارنة — عبر إبراز اختلافٍ صارخٍ أو تشابهٍ مُربك — إلى تجارب شخصيّة من العنف السياسيّ تجاه المواطنين، وإلى ذكريات أيّامٍ أفضل، وإلى حلمٍ، بل وأحيانًا إلى أملٍ بالعيش في “دولة طبيعيّة”. وبالطبع، كأيّ تقريرٍ عاطفيٍّ وأخلاقيّ، فإنّ قيمةَ طبيعيّة الدولة تكتسب معنًى أيضًا بالمقارنة بدولةٍ متَخيَّلةٍ أخرى ترمز إلى الطبيعيّة (Fischer 2010).

تظهر فكرة “الطبيعيّة” في المقارنة في محاضرة إيليا بودرايتكيس، الذي يُحلّل تطوّر الليبراليّة الروسيّة وغروبها في الحقبة ما بعد السوڤييتيّة — منذ تفكّك الاتّحاد السوڤييتيّ وحتّى الغزو الروسيّ لأوكرانيا في شباط 2023. يُبيّن بودرايتكيس كيف أنّ تصوّرات أولئك الذين عُرفوا في روسيا في سنوات الألفَين بوصفهم ليبراليّين، إزاءَ نظامٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ “طبيعيّ”، متجذّرةٌ عميقًا في تفكيرٍ مقارنٍ يضع روسيا إزاء الفكرة المتَخيَّلة لليبراليّة الغربيّة. يصف الفكر الليبراليّ الروسيّ الليبراليّةَ “الروسيّة” بوصفها “متخلّفةً” عن الليبراليّة الغربيّة، ويُنتج هرميّةً تَمنح نموذجَ الليبراليّة الغربيّة وقعَ الكونيّة. التطوّر السياسيّ لنظام الحكم في روسيا يُفحص من خلال هذه العدسة المقارنة، ويبدو انحرافًا عن المعيار الذي يُفترض أن تصل إليه روسيا عاجلًا أم آجلًا. وهكذا، كانت إحدى الادّعاءات حول روسيا ما بعد السوڤييتيّة حتّى غزوها أوكرانيا أنّ نظام الحكم يَدمج في داخله مَلامحَ ديمقراطيّةٍ ليبراليّةٍ ومَلامحَ نظامٍ سلطويّ في آنٍ معًا. حظي هذا الادّعاء بشعبيّة لدى الجمهور الليبراليّ في روسيا، من بين جملة أسباب، بفضل عالِمة السياسة يكاترينا شولمان، الشخصيّة العامّة التي ادّعت أنّه في نهاية المطاف، بفضل التفوّق الأخلاقيّ للأفكار الليبراليّة وبفضل المؤسّسات الاجتماعيّة القليلة التي تحافظ على الحرّيّات السياسيّة والمدنيّة، سيتحوّل نظام الحكم في روسيا حتمًا إلى ديمقراطيّة، وستعود روسيا إلى مسار تطوّرٍ سياسيٍّ طبيعيّ. ووفقًا لحجّة بودرايتكيس، فإنّ هذا الإيمان أعمى الليبراليّين، وأضرّ بقدرتهم على التقدير الصحيح لتدهور نظام پوتين إلى مسارات الأوتوقراطيّة والحرب، وأتاح لپوتين قيادةَ الدولة إلى الهاوية دون اعتراض.

كذلك بالنسبة إلى كثيرٍ من المهاجرين الذين وصلوا للتوّ من روسيا إلى إسرائيل، تتأسّس إسرائيل بوصفها “طبيعيّة” في المقارنة مع روسيا، من حيث الحكومةُ والجيشُ ومنظوماتُ القضاءِ والتعليم والصحّة والقادةُ السياسيّون. ففي نظرهم، روسيا ديكتاتوريّة “حقيقيّة”، وبعضهم يَعرف جيّدًا الثمنَ الشخصيَّ والجماعيَّ المرتبطَ بمعارضتها. بالنسبة إليهم، اتّخذت الحياة إلى جانب الدولة مع تحفّظات تجاهها، أو في معارضةٍ صريحةٍ لها، معنًى مَلموسًا وواقعيًّا للانفصال، والابتعاد، وإلغاء كلّ صلةٍ بروسيا مع تبنّي نسبيٍّ للدولة الجديدة. ولأنّ الدولة الجديدة ليست مألوفة بما يكفي، فإنّ هؤلاء المهاجرين يَعيشون أصلًا قليلًا في هوامشها ولا يُطلب منهم أن يكونوا في مواجهةٍ معها؛ وفي نظرهم، هذه أخيرًا دولةٌ “طبيعيّة”، لا تأكل سكّانها، ولا تَضطهدهم ولا تَستغلّهم ولا تَتركهم لمصيرهم. وحتّى أولئك الذين يَنضمّون إلى المظاهرات ضدّ الحكومة في إسرائيل يُفسّرون ذلك من خلال تصوّر لـ”الطبيعيّة”، يَقول إنّ إسرائيل تُتيح للمواطنين التأثيرَ وإحداثَ تغييرٍ من خلال “احتجاج الإنسان السليم”، على حدّ تعبيرهم (لِرنِر وفِرتر 2023).

تَفحص مقالة ڤِربارا فِرتر، يوليا لِرنِر ومريانا غِتنكوڤا–كريتشك، “عرض أدائيّ عن “الإخلاص” في الإعلام الرقميّ في إسرائيل باللغة الروسيّة”، مسارًا تُترجَم فيه العلاقةُ العاطفيّةُ للمهاجرين تجاه روسيا وإسرائيل — ميدانَين مختلفَين لكن قابلَين للمقارنة من حيث الانعطافات اللاليبراليّة وحالة الحرب. المقارنة التحليليّة لدى الكاتبات لا تَسعى وراء شبهٍ بنيويٍّ جوهريٍّ بين النظامَين، بل تتتبّع الكيفيّةَ التي تُترجَم بها مخزوناتٌ عاطفيّةٌ وأخلاقيّة، وكذلك أنماطُ استهلاكٍ إعلاميٍّ تشكّلت في ظلّ النظام شِبه السلطويّ في روسيا پوتين، وتُكيَّف وتُفعَّل من جديد في السياق السياسيّ لتراجع الديمقراطيّة في إسرائيل. تَفحص الكاتبات محتوياتٍ رقميّةً تُنتجها صانعات وصانعو محتوًى ناطقون بالروسيّة من أبناء وبنات الطبقة الوسطى وَصَلوا إلى إسرائيل في العقد الأخير، وتُحلّلن الكيفيّةَ التي يُؤوّلون بها تصوّراتهم لـ”الإخلاص” السياسيّ تجاه الدولة والنظام الجديدَين في ضوء أنماط تجنّب التفاعل مع الدولة التي تَأقلموا عليها في روسيا پوتين. يَرسم النقاش في ممارسات إنتاج المحتوى لدى الناطقين بالروسيّة في إسرائيل فضاءَ الهجرة بوصفه ميدانًا تَتعزّز فيه الحاجة إلى المقارنة بوصفها أداةً تأويليّة. في الانتقال بين سياقات سياسيّة وقوميّة، يُطلَب من الفاعلين الاجتماعيّين أن يَفحصوا الشبهَ والاختلافَ بين مخزونات مواطنيّة مألوفة، وأن يُطوّروا طُرقًا لترجمتها أو تكييفها أو إعادة إنتاجها في السياق الجديد. تخدم تجربة المقارنة هنا أداةً تأويليّة يُعيد بها المهاجرون تنظيمَ مواقفِ الإخلاصِ والنقدِ والصمت، ويُموقعون أنفسهم داخل نظامٍ سياسيٍّ ومدنيٍّ مُتغيّر.

كودا: المقارنة أداةً للقراءة النقديّة

المقارنة حاضرةٌ في العدد، وإن بصورةٍ أقلَّ علنيّة، أيضًا في النظرة المُؤوِّلة للقرّاء والقارئات الإسرائيليّين. إنّ فحص السياق الروسيّ يَفتح كوّةً لفكِّ شَيفرة دوّامة العنف السياسيّ والمادّيّ التي تَجري في إسرائيل في السنوات الثلاث الأخيرة، ولمنحها معنًى. القراءة عن الخطاب الملتوي، والحذر، والمتحفّظ للأطبّاء الروس الذين (لا) يَتحدّثون عن الحرب في أوكرانيا تستدعي أفكارًا حول الكيفيّة التي قد (لا) يَتحدّث بها الأطبّاءُ وأصحابُ المهن الأخرى في إسرائيل عن الحرب في غزّة. ويُثير الموضوع أيضًا أسئلةً حول الخطابات المهنيّة التي قد تَخدم ملاذًا للحياد من اللغة القوميّة، التي تَصف الحرب بوصفها حرب انتقامٍ وقيامة. صعوبة المهاجرين الجدد على الحديث عن الحنين، لأنّهم يَخجلون من الاشتياق إلى دولةٍ غادروها، تُحرّك التفكيرَ في الخطابات العاطفيّة المختلفة التي قد يَتبنّاها مغادرو إسرائيل ليَتحدّثوا عن إسرائيل بوصفها بلدًا، ودولةً، وجماعةً قوميّة، ولكي يُفرّقوا بين هذه الأمور وعلاقتهم بالنظام الحاليّ في إسرائيل.

تُجسّد استجابة شاؤول سيتر لمحاضرة بودرايتسكيس استخدامَ المقارنة أداةً للقراءة النقديّة. يُحلّل سيتر الأزمةَ العميقةَ للفكر الليبراليّ في إسرائيل — وإنكارَها — من خلال حوارٍ مع ادّعاءات بودرايتسكيس بشأن قِصَر نظر الليبراليّة الروسيّة. النقد المهمّ الذي يَنشأ من خلال هذا الحوار، الذي هو أيضًا نوعٌ من فعل المقارنة التحليليّة، يَنسب إلى الوعي الليبراليّ في إسرائيل قِصَرَ نظرٍ ناتجًا عن الاتّكاء على الفصل بين الحرب في غزّة وبين التغيير النظاميّ داخل إسرائيل، وعن الرفض لرؤية الصلات العميقة بين أفعال النظام داخل الدولة وخارجها. هذا التفكير المقارن يَقترح على الليبراليّين أن يَفتحوا أعينهم ويَرَوا أنّه تمامًا كما أنّ لما تَفعله روسيا في ميادين حربها في أوكرانيا صلةً مباشرةً بتدهور النظام داخل الدولة، فكذلك لحرب الإبادة في غزّة صلةٌ مباشرةٌ بالنظام السلطويّ الذي يُبنى ويُمأسس في إسرائيل. تُجسّد استجابة سيتر لبودرايتسكيس كيف أنّ استخدام المقارنة كأداةً نقديّةً يَتيح أن نعكس أنظمةَ حقيقةِ الخطابِ الليبراليّ، وكذلك أن نَتخيّل سياسةً تَخترق حدودَ المخيّلة الليبراليّة.

تَستنفر المقالات الأكاديميّة، والمقالات النظريّة، وأعمال الفنّ والأدب في هذا العدد، المقارنة لتصف وتُحلّل ظواهر ثقافيّة، تاريخيّة وسياسيّة مرتبطة بتغيير اجتماعيّ، وتراجع ديمقراطيّ، واحتجاج، ومقاومة مواطنيّة، وحروب، وتجارب هجرة. وهي تُجسّد القوّة التحليليّة والإمكانية السياسيّة — المضمَرة أو الصريحة — للمقارنة. وأكثر من أيّ شيء، يَطرح هذا العدد أنّ الواقع المواطنيّ والسياسيّ في إسرائيل وروسيا، والصلات بين العنف السياسيّ والحروب في الدولتَين، يَخلقان حقلًا تجريبيًّا خصبًا، مبدعًا ومُشبَعًا بالدلالات السياسيّة، حقلًا “صالحًا للتفكير معه”، إذا استخدمنا تعبيرًا مُقتبَسًا بتصرّفٍ من كلود ليڤي-ستراوس. وعلى غرار التضادّات لدى ليڤي-ستراوس، فإنّ عمل المقارنة التأويليّ في هذا العدد لا يَعكس فقط تجربةً اجتماعيّةً، بل يُؤسّس أيضًا العالمَ الثقافيَّ، والهويّاتِ الاجتماعيّةَ، واللغةَ المطلوبةَ للحديث عنها.

[1]   Detienne 2008; van der Veer 2016; Candea 2019; Epple and Erhart 2020

[2] Niewöhner and Scheffer 2010; Candea 2016; 2019

[3]  أطلق هذا النقد أنثروبولوجيّون قبل أن تبدأ نظريّاتٌ نسويّةٌ وما بعد كولونياليّة بنقد تصوّرات ثقافيّة غربيّة كانت تتنكّر في زيّ معايير كونيّة، وتوجّه البحث الاجتماعيّ الحديث (Candea 2019).

 

[4] وُضع مشروع قانون الجمعيّات (تعديل — تبرّع من كيان دولة أجنبيّة)، 2024-التاشپاع، على طاولة المُشرّعين عام 2024. وتُذكِّر صياغةُ المشروع كثيرًا بقانون «العملاء الأجانب» الروسيّ، الذي تحوّل منذ إقراره عام 2012 إلى أداة إداريّة فعّالة يستخدمها النظام لإسكات الأصوات النقديّة في المجتمع المدنيّ الروسيّ وسحقها (Elder 2013; Tysiachniouk et al. 2018).

[5] المقارنة بين إسرائيل وأوكرانيا تخدم أيضًا سياسيّين وصحفيّين أوكرانيّين يَتناولون علنًا المقارنة بين التجربة الأوكرانيّة والتجربة الإسرائيليّة منذ بداية الغزو الروسيّ. انظر مثلًا حوارًا جرى في السنة الأولى من الحرب في أوكرانيا بين أليكسي أرستوڤيتش، مستشار سياسيّ كان مقرّبًا من الرئيس الأوكرانيّ في حينه، وبين سفير إسرائيل في أوكرانيا ميخائيل برودسكي، حول موضوع «ماذا يمكن لأوكرانيا أن تتعلّم من إسرائيل» (Arestovych 2022).

*  نتقدّم بالشكر إلى جميع المشاركين والمشاركات في مؤتمر «حياة بالمقارنة: التجربة المواطنيّة في روسيا، في إسرائيل وبينهما»، الذي عُقد في 5/5/2025 في معهد ڤان لير في القدس، على تعميق التفكير المقارن والذي يقوم عليه هذا العدد الخاصّ. شكر خاصّ لدينا مويال على إسهامها في بلورة فكرة هذا العدد الخاصّ. وأخيرًا، نتقدّم بالشكر لهيئة تحرير المجلّة، وبخاصّة شاؤول سيتر، رئيس التحرير، وعينات أرنهايم، نائبة رئيس التحرير، على الشراكة وعلى المرافقة اللصيقة والمهنيّة في الصياغة الفكريّة للمشروع برمّته.

 

بيبليوغرافيا

بالعبريّة

אילני, עפרי, .2024 ״כמו ברוסיה, התגברות הלחץ על ישראל עלולה להביא למנטליות של מצור״, הארץ, .31.1.2024

לרנר, יוליה, וורברה פרטר, .2023 “חיים בהשוואה: המשבר המשטרי בישראל בעיני פליטי הדיקטטורה הרוסית,” סוציולוגיה ישראלית כד,)2( עמ’ .242-230

סבטלובה, קסניה, .2024 ״שחיתות, ריסוק בתי המשפט, עינויים (נשמע מוכר)? — כך ישראל נהפכת לרוסיה״, הארץ, .4.8.2024

קציר, איתמר, ואופיר חובב, .2023 ״מוחרמת, מבוטלת ומסוגרת: האם בחסות המלחמה ישראל תהפוך לרוסיה החדשה?״, הארץ, .29.11.2023

רוזובסקי, ליזה, .2024 “עליית הרבע מיליון: פוטין סידר לישראל הגירת ענק של ליברלים״, הארץ,

.17.7.2024

רום, איתי, .2022 ״ישראל היא כמו רוסיה? לא הגזמתם קצת?״, הארץ, .1.3.2022

שני, איילת, .2023 ״מה שקורה אצלכם מתוכנן מראש, התסריט כתוב. יש לי עצה אחת: תהיו זהירים. ראיון עם פרופסור אנדראה פטו״, הארץ, .18.1.2023

 

Arestovych, Alexey, 2022. “Арестович: Чему Украина может научиться у Израиля?” [“What Can Ukraine Learn from Israel?”]

, YouTube, July 16.

Asad, Talal, 1986. “The Concept of Cultural Translation in British Social Anthropology,” in James Clifford and George E. Marcus (eds.), Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography, Berkeley: University of California Press, pp. 141–164.

Candea, Matei, 2016. “We Have Never Been Pluralist: On Lateral and Frontal Comparisons in the Ontological Turn,” in Pierre Charbonnier, Gildas Salmon, and Peter Skafish (eds.), Comparative Metaphysics: Ontology After Anthropology, London: Rowman & Littlefield, pp. 85–106. https://doi.org/10.5040/9798881812645.ch-4

–––, 2017. “This Is (Not) like That,” HAU: Journal of Ethnographic Theory 7(1), pp. 517–521. https://doi.org/10.14318/hau7.1.036

–––, 2019. Comparison in Anthropology: The Impossible Method, Cambridge: Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/9781108667609

Chakrabarty, Dipesh, 2007. Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference, Princeton: Princeton University Press. https://doi.org/10.1515/9781400828654

Dekker, Mischa, Thijs van Dooremalen, and Galen Watts, 2025. “Repertoires of Comparison: How Common Comparisons Shape Social and Political Life,” Cultural Sociology. https://doi.org/10.1177/17499755251334516

Detienne, Marcel, 2008. Comparing the Incomparable, trans. Janet Lloyd, Stanford: Stanford University Press.

Elder, Miriam, 2013. “Russia Raids Human Rights Groups in Crackdown on ‘Foreign Agents‘,” The Guardian, March 27.

Epple, Angelika, and Walter Erhart, 2020. “Practices of Comparing: A New Research Agenda Between Typological and Historical Approaches,” in Angelika Epple, Walter Erhart, and Johannes Grave (eds.), Practices of Comparing: Towards a New Understanding of a Fundamental Human Practice, Bielfeld: Transcript, pp. 11–38. https://doi.org/10.2307/j.ctv2f9xscg.4

Fischer, Claude S., 2010. “Compared to What?” Contexts 9(4), p. 84. https://doi.org/10.1525/ctx.2010.9.4.84

Janiewski, Dolores, 2001. “Margaret Mead and the Ambiguities of Sexual Citizenship for Women,” in Patricia Grimshaw, Katie Holmes, and Marilyn Lake (eds.), Women’s Rights and Human Rights: International Historical Perspectives, London: Palgrave Macmillan, pp. 105–120. https://doi.org/10.1057/9780333977644_7

Niewöhner, Jörg, and Thomas Scheffer, 2010. “Thickening Comparison: On the Multiple Facets of Comparability,” in Thomas Scheffer and Jörg Niewöhner (eds.), Thick Comparison: Reviving the Ethnographic Aspiration, Leiden: Brill, pp. 1–15. https://doi.org/10.1163/ej.9789004181137.i-223.6

Strathern, Marilyn, 2004. Partial Connections, Walnut Creek: AltaMira Press. https://doi.org/10.5040/9798216409311

Tysiachniouk, Maria, Svetlana Tulaeva, and Laura A. Henry, 2018. “Civil Society under the Law ‘On Foreign Agents’: NGO Strategies and Network Transformation,” Europe-Asia Studies 70(4), pp. 615–637. https://doi.org/10.1080/09668136.2018.1463512

van der Veer, Peter, 2016. The Value of Comparison, Durham: Duke University Press. https://doi.org/10.1215/9780822374220

مقالات اخرى في هذا العدد

No posts found.

الانضمام الى القائمة البريدية