الحقارة والإبادة الجماعيّة
ما الذي أوصل المجتمع الإسرائيليّ إلى وضع يمارس فيه الإبادة الجماعيّة؟ هذا هو السؤال الذي تتناوله هذه المقالة، وذلك عبر تحليل يستند إلى مفهوم الحقارة (البذاءة) وتبصّرات من النظرية النفسيّة–التحليليّة والأنثروبولوجيا. يُظهر التحليل أنّ الفلسطينيّين شكّلوا للإسرائيليّين موضوع رغبة يبلورون من خلاله الذات الجماعيّة الخاصّة به. تقع هذه الذات تحت طائل خطر تفكّك دائم، والذي من ضمن أسبابه ارتباط موضوع الرغبة بمشاعر عنيفة للغاية. يكشف التحليل أنّ هذه الذات تمتاز بتناقض عميق ينشأ عن التوتر الأساسيّ بين المركّب الديمقراطيّ والمركِب اليهوديّ في تشكيل الهويّة الإسرائيليّة، أي بين الرغبة الليبراليّة في احتواء التعقيد والاختلاف واللايقين، وبين الرغبة الإثنيّة في القضاء على هذه العناصر ذاتها. تتميّز اللحظة الراهنة بعدم قدرة متزايدة على تحمّل هذا التناقض، وبنزعة للانحياز إلى التطهير العرقيّ. في ظلّ الحرب وأزمة نظام الحكم، يتطرّف الخطاب العنصريّ الإسرائيليّ إلى درجة نفي الإنسانيّة عن الفلسطينيّين. تكمن المفارقة التراجيديّة في ارتداد هذه النفي إلى الإسرائيليّين الذين يتأملون في الفلسطينيّين ولا يرونهم، وتؤدّي إلى انهيار ذاتهم الجماعيّة، لأنّه عندما يصبح الفلسطينيّون غير بشريّين يفقدون القدرة على أن يكونوا موضوع رغبة عند الإسرائيليّين، ولذلك فدفع الفلسطينيّين نحو حالة الحقارة تصحب معها، بالضرورة، الإسرائيليّين أنفسهم وتضعضع قدرتهم على التفكير الأخلاقيّ. من أجل ترميم ذاتيّتهم الجماعيّة، على الإسرائيليّين الاعتراف بعنفهم، وتلطيف خطاب الخوف والانفعال، وإعادة الخطاب السياسيّ المتعلّق بالسياق التاريخيّ، والاعتراف بالفلسطينيّين كذوات مستقلة الوعي.