العمل النقابيّ في العصر النيوليبراليّ: اتجاهات في السياسة الطبقيّة بإسرائيل، 1995 – 2023
تتناول الأبحاث في مجال الاقتصاد السياسيّ مسألة ضعف تنظيمات العمّال في العصر النيوليبراليّ نتيجة فقدانها مصادر قوّتها التقليديّة. وفي موازاة ذلك، ظهرت في العقدين الأخيرين دلائل كثيرة على تجدّد التنظيمات العمّاليّة، والمتجلّية في استراتيجيات تهدف إلى إعادة بناء مصادر قوّتها وتأثيرها. يفحص هذا المقال الظاهرة باعتبارها نتاجًا لتجديد علاقات الشراكة بين التنظيمات العمّاليّة والأحزاب السياسيّة عبر تشكيلات الطيف السياسيّ المختلفة. يحلّل المقال الحالة الإسرائيليّة، حيث تطوّر تحالف سياسيّ بين الهستدروت وحزب الليكود في فترة تبنّى فيها الليكود سمات شعبويّة واضحة. في بداياته، أتاح هذا التحالف، الذي تبلور على أنقاض الشراكة التاريخيّة بين الهستدروت وحزب العمل، إعادة تأثير الهستدروت على السياسات الاقتصاديّة–الاجتماعيّة وتعزيز النموّ الاحتوائيّ. لكن إلى جانب هذه التحوّلات، شكّل التحالف عنصرًا مهمًّا في ترسيخ حكم الليكود، الذي واصل تطبيق سياسات نيوليبراليّة، ومنذ عام 2023 سعى أيضًا إلى تفكيك مؤسّسات الديمقراطيّة الليبراليّة وقاد سياسة غير مسبوقة من جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانيّة في غزّة.
تعكس هذه الظاهرة، التي برزت طوال القرن الحادي والعشرين في إسرائيل وفي دول متقدّمة أخرى، تحوّلًا عميقًا في السياسة الطبقيّة في العصر النيوليبراليّ: فبينما استند التحالف التاريخيّ بين تنظيمات العمّال واليسار إلى قاعدة قيميّة ومؤسّسيّة مشتركة، ترتكز التحالفات الجديدة مع اليمين الشعبويّ على تبادليّة سياسيّة براغماتيّة ومؤقّتة. تمنح هذه المقاربة التنظيمات العمّاليّة قدرة على الحفاظ على نفوذها في توزيع الموارد، لكن ثمنها هو دعم سياسات نيوليبراليّة في مجالات أخرى، وأحيانًا أيضًا إضفاء شرعيّة على سياسات تقوّض المؤسّسات الديمقراطيّة الضروريّة لنشاطها. من خلال تحليل الحالة الإسرائيليّة، يساهم المقال في فهم التحوّلات التي يشهدها الاقتصاد السياسيّ في العصر النيوليبراليّ، ويُبرز التغيّر في دور التنظيمات العمّاليّة: من وكلاء تغيير اجتماعيّ إلى شركاء في صيانة بُنى القوّة القائمة؛ ومن شركاء في بناء الديمقراطيّة الليبراليّة إلى جهة تدعم عمليًا من يعملون على تقويضها.