المجتمع العربي في إسرائيل

المجتمع العربي في إسرائيل

قريبون وبعيدون: العرب الفلسطينيون مواطنو إسرائيل من خلال شاشة التلفزيون، وإلى جانبها

نظرة شابة في "البرايم تايم" (ساعات الذروة في المشاهدة التلفزيونية)

نشهد في السنوات الأخيرة ارتفاعا في تمثيل العرب الفلسطينيين على شاشة التلفزيون الإسرائيليّ الناطق بالعبرية. مسلسل "عفوداه عرفيت" ("شغل عرب") الذي كتبه سيد قشوع وبُثّ في العام 2007 ربما كان نقطة البداية، لكن منذ ذلك الحين انضافت أفلام ومسلسلات في مجال الدراما والسينما (على سبيل المثال "السيناريوهيست"، "منى"، "هَنَعاريم"، "نَفَس"). كل هذه الأعمال سعت إلى وضع القضايا الاجتماعية الداخلية والعلاقات المركبة مع المجتمع اليهودي المهيمن في صلب النقاش الدائر. في الغالب جرى الحديث عن فنانين ومؤلفين فلسطينيين قاموا بإحضار وجهة نظرهم خاصة واللغة العربية إلى "البرايم تايم"، وخففوا بذلك من هامشية وندرة وجهة النظر هذه او من ندرة حضور للغة العربية ولو بعض الشيء. الارتفاع في عدد المشاركين العرب الفلسطينيين في جانر برامج "الواقع" (رِياليتي) يشير هو الآخر إلى النزعة إياها.

شهدنا اتساعا آخر لهذه النزعة نحو الجانر الوثائقي عندما "اجتاح" مسلسل حول شبان عرب فلسطينيين "البرايم تايم" في القناة الرسمية في إسرائيل. هؤلاء هم نجوم المسلسل الوثائقي "قربة غربة". على امتداد عام ونصف رافق منتجو ومخرجو المسلسل (الذين يشاركون في دفيئة السينما لتطوير الأعمال الوثائقية في معهد فان لير) أييلت بَخار، وأحلام كنعان، ونيكولاس يعقوب – رافقوا مجموعة من الشبان في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم من أماكن مختلفة من البلاد، ووثّقوا لحظات استبصار وأزمات على ضوء قرارهم بالانتقال للسكن في أماكن أخرى.

القصص الشخصية التي يسردها هؤلاء بطلاقة وبكفاءة ومهارة حول مسألة مكان السكن تلقي الضوء على قضايا عميقة تتعلق بالجندر والهُوية والعمل. يفتح لنا الشبان نافذة غير مسبوقة نتعرف من خلالها على الأثمان الاجتماعية والشخصية التي يضطرون لدفعها مقابل البقاء على مقربة من عائلاتهم وداخل مسقط رأسهم، وكذلك الأثمان وربما الفرص التي تسنح لهم على ضوء الانتقال للسكن خارج المدن والقرى العربية، في الغربة.

מתוך הסדרה " קרוב רחוק". צילום: ניקולאס יעקב
من مسلسل "قربة غربة". تصوير: نيكولاس يعقوب.

للحظة واحدة يوفر لنا هؤلاء الشبان نظرة استشرافية متفائلة على مستقبل مشترك، ويبدو أن طريق هذا الجيل معبّدة وسهلة أكثر من تلك الوعرة التي سارت فيها الأجيال التي سبقته. الانشغال السينمائي والتلفزيوني ينجح في الغالب في موضعة الشبان في مركز الاهتمام وإدارة الخطاب من وجهة نظرهم. هذه الشخصيات أكثر إنسانية ودائرية وتعقيدا من تلك التي عرفناها في الماضي في تلفزيوننا الناطق بالعبرية، وتدل بدرجة معينة على رغبة هؤلاء في التغيير وعلى بحثهم عن فرص للاندماج في السكن والعمل. منظومات جسور اجتماعية بين المجتمع الفلسطيني الشاب والمجتمع الإسرائيلي-اليهودي المهيمن "تنعكس" أمامنا من وراء الشاشة وتبقينا نتساءل: هل تجربة الإقصاء والتمييز والصراع على تعريف الهوية الفلسطينية قد وصلت إلى نهايتها؟

تأثير السياسة النيو-ليبرالية عل المجتمع العربي في إسرائيل

صورة الاندماج التي تستشَف من الانشغال السينمائي والتلفزيوني المعاصر تحتاج إذا إلى تأطير في سياق أوسع. يبدو أن لتجربة الخطر الوجودي وغياب المسواة المدنية التي ميزت حياة العرب الفلسطينيين في العقدين الأولين بعد إقامة دولة إسرائيل، ولا سيما في العقود الثلاثة الأخيرة، تنضاف أبعاد أخرى تخلق تجربة حياة مركبة تستحق مراجعة عميقة، كتلك التي يسعى لعرضها ميخائيل شاليف ومهى التاجي وعميد صعابنة في بحثهم المستقبلي. السياسة النيو-ليبرالية – لا سيما في العقدين الأخيرين – "طورت" هذا الجمهور بطريقة موجّهة في مجالات التشغيل والتحصيل العلمي كشرط للتطوير الاقتصادي من قبل الدولة، وشكلت عاملا مهما في اتساع رقعة الطبقة الوسطة بعامة، ونموّ الطبقة الوسطى العربية الفلسطينية في إسرائيل على وجه الخصوص.

منذ تسعينيات القرن الماضي حصلت في صفوف الفلسطينيين في إسرائيل سيرورات خصخصة وعلمَنة، ونمو في ريادة الأعمال، إضافة إلى تطور التحصيل العلمي الثانوي والجامعي بوتيرة سريعة. كل هذه مكنت الطبقة الوسطى العربية الفلسطينية في إسرائيل من الانتقال من حالة "صراع البقاء" إلى حالة "التكيّف" كما ينعكس الأمر في بحث البروفيسورعزيز حيدر. ضف إلى ذلك أن الزيادة في رصد الأراضي للمدن والقرى العربية (على الرغم من الفجوة الكبيرة التي ما زالت قائمة بينها وبين المدن والقرى اليهودية)، والتغير في تعامل البنوك، والزيادة في توفير الاعتمادات المالية للشبان العرب الفلسطينيين مواطني إسرائيل، أفضت كلها إلى تغييرات بعيدة المدى تسير نحو خلق مدن مختلطة جديدة، كما تُظهر د. منال توتري-جبران في بحثها.

יפו. צילום: Yaroslav Lutsky
يافا. تصوير: Yaroslav Lutsky

لكن "هجرة" الشبان من بلداتهم العربية تشير أيضا، ربما بدرجة لا تقل عما ذكر سابقا، إلى الإقصاء، وإلى غياب المساواة في الفرص وفي الحقوق الجماعية لهذا الجمهور. يمكن عمليا رؤية الجذور العميقة لهذه الظاهرة في التمييز المؤسسي والبنيوي المتواصل. الفصل الجغرافي بين المدن والقرى العربية وبين المدن والقرى اليهودية، كما يتجسد في خارطة البلدات في إسرائيل يدل أكثر من أيّ أمر آخر إلى نجاح الأجهزة القضائية في الحدّ من قدرة التخطيط والبناء في المدن والقرى العربية. غياب البنية التحتية التخطيطية الجغرافية والاقتصادية لمناطق صناعية في المناطق العربية، والفجوة الواسعة في رصد الأراضي للبلدات العربية (على الرغم من التغيير في الخرائط الهيكلية بدءا من مطلع سنوات الألفين)، وأيديولوجية تهويد الحيز، حالت دون تخصيص الأراضي للبلدات العربية، ولم تبق مكانا لتوسّع هذه البلدات.

ينضاف إلى ذلك الارتفاع في مستوى الإجرام وفقدان الأمن الشخصي بسبب "تعشيش" منظمات الجريمة المنظمة في البلدات العربية وارتفاع كميات الأسلحة التي تمتلكها جهات إجرامية، وترافق الأمر مع الإهمال والتمييز واللامبالاة من قبل الدولة. كل هذا دفع الشباب (الطلبة الجامعيون، وذرية الطبقة الوسطى العربية الفلسطينية في إسرائيل) إلى الخروج نحو الفضاءات اليهودية والبحث عن خدمات تعليمية وصحيّة أفضل، وعن حياة أفضل. لقد قالت لهم الأجيال السابقة أن التعليم هو "السلاح" الأهم في نضالهم على مكانتهم وحقوقهم في دولة إسرائيل.

يطل علينا هذا التغيير، من خلال شاشات التلفزيون والسينما، متحديا النظام القائم ويشير إلى إمكانية أكبر بكثير تتوفر لهؤلاء الشبان مقارنة بالأجيال السابقة أو الطبقات الأضعف في صفوف الجمهور العربي الفلسطيني في إسرائيل. لكن على ضوء الأحداث التي دار رحاها في أيار 2021 بين اليهود والعرب في المدن المختلطة ثمة شعور بان الطريق ما زالت طويلة أمام بناء فضاء معيشيّ مشترك ومتساو بين مجتمع الأغلبية اليهوديّة ومجتمع الأقلية العربي. هذه الأحداث كشفت النقاب جليا عن أحجام العنصرية، وغياب المساواة، وقضايا الهوية المركّبة، وأظهرت مرة أخرى كيف أن "نجاح" مسار الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للعرب الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي ما زال بعيدا عن أن يكون التوصيف والتفسير الوحيد لتجربة هذا الجمهور المعيشية في دولة إسرائيل.

 

لشراء أعداد من كتاب الإحصاء السنوي (المجتمع العربي في إسرائيل: السكان، والمجتمع، والاقتصادي) من السنوات الأخيرة – إصدار معهد فان لير ودار النشر هَكيبوتس هَمؤوحاد

تاريخ النشر: 17.8.21
كتابة: د. تساميرت ليفي-دافني
تصوير: إيلا يِداعيا، شتيل ستوك

 

لمقالات أخرى >>>

الانضمام الى القائمة البريدية