افتتاحيّة
جاء إعداد هذا العدد من نظرية ونقد، أيضًا، في ظلّ الحرب على غزّة، حرب غدت في شهري ربيع وصيف عام 2025 حربَ إبادة. نعيش في قلب كارثة — كارثة من صنع الإنسان. لهذه الكارثة موضع مركزيّ من الفظاعة والرعب. غزّة مدمَّرة. المجاعة واسعة النطاق، تفتك بسكّانها الساعين إلى الهرب والاختباء، المقتلعين من بيوتهم مرّة ثانية وثالثة، المحاولين شقّ طريقهم في جحيم على وجه الأرض. في كلّ يوم، يقطع عدد كبير من الناس مسافات طويلة في قيظ خانق بحثًا عن الطعام؛ وفي كلّ يوم يُقتل عشرات ممّن سعَوا إلى ما يسدّ الرمق. مراكز الإغاثة تحوّلت إلى مصائد موت. غزّة تُقصف يوميًا، وتُحتلّ يوميًا. معظم مناطقها محظورة على سكّانها، وكثير من أجزائها أُفرغ تمامًا من الفلسطينيّين الذين ازدحموا فيما تبقّى منها، يبحثون عن ممرّ بين الخرائب والقصف، بين مساكن مؤقّتة وطرق فرار.
نحن أبناء وبنات المجتمع الذي يُنزل الكارثة على غزّة. نعيش قريبين منها، لكنّنا محجوبون عنها. هناك طرق عدّة للإفلات من مواجهتها: الأخبار في إسرائيل تكاد لا تُعنى بها، مشغولة بما يشتّت الانتباه ويحجب الرؤية. وحتى عندما تتسرّب الكارثة — في صورة أو رواية أو مشهد — يصعب مواصلة التحديق فيها. ومع ذلك، هناك في إسرائيل من يفعل ذلك وينقل الصورة: من يحصي يوميًا قتلى غزّة ويقرن العدد بالأسماء؛ من يكتب عن المجازر أو ينشر صور من مُحيت أجسادهم؛ من يشارك مقاطع مصوّرة أو يحمل علنًا صور الأطفال الذين قُتلوا. وهناك من يقرأ أشعارًا من غزّة — أشعار خراب ويأس، قصائد هروب مشبعة برغبة في الموت، برغبة في الانقطاع والنهاية في غياب حياة حقيقيّة، لكنها تشكّل، رغم ذلك، محاولة للشهادة وترك أثر. وهناك من يتأمّل صورًا من غزّة: مقابر جماعيّة، جثث ملفوفة بأكياس بلاستيكيّة زرقاء أو بيضاء؛ خرائب مبانٍ — مستشفيات، مدارس، دور عبادة — دمار يملأ العين حتى الأفق.
لهذه الكارثة أسماء عديدة — مجزرة، جريمة حرب، إبادة جماعيّة، إفناء — ومع ذلك لا إسم لها. الجدل الدائر الآن حول تسميتها هو أيضًا شكل من أشكال الإزاحة، كطرفٌ اصطناعيّ يحاول تغطية الهاوية التي تشقها الكارثة. هذا ما كتبه موريس بلانشو في مستهلّ كتابه الكتابة عن الكارثة:
“الكارثة تدمّر كلّ شيء فيما تترك كلّ شيء بلا مسّ. لا تصيب أحدًا بعينه؛ الـ‘أنا’ لا يتعرّض لتهديد، بل يُهمل ويُترك. وبذلك تحديدًا يُصبح الـ‘أنا’ مهدّدًا؛ فالكارثة تهدّد في داخلي ما هو خارجٌ عنّي — الآخر الذي يتحوّل سلبًا إلى آخر للـ‘أنا’. لا يمكن القبض على الكارثة. خارج متناول اليد يوجد مَن يُهدَّد بها — من قريب أو بعيد، لم يَعُد بالإمكان القول: إنّ لانهائيّة التهديد تخترق كلّ حدّ. نقف على عتبة الكارثة من دون القدرة على وضعها في المستقبل: فالكارثة دائمًا قد حدثت، ومع ذلك نحن على حافّتها أو تحت وطأة تهديدها. تعبّر هذه الصيغ عن مستقبل، لكنّ الكارثة هو ما لا يأتي، ما يوقف كلّ مجيء. التفكير في الكارثة (إن كان ممكنًا، وهو غير ممكن إلى الحدّ الذي فيه نشكّ بأنّ الكارثة نفسها هي فكرة) يعني أنّه لم يَعُد هناك مستقبل يمكن التفكير فيه”.[1]
قد نكون في قلب ذلك “اللا–مستقبل” الذي يصفه بلانشو — واقفين على حافّة كارثة تقع بالفعل، كارثة جارية. لكن ظهور الكارثة ليس ظهورًا لحظيًّا، ولا هو حدث يمكن إثباته أو نفيه؛ يصعب معرفة الكارثة، ولا يمكن الإحاطة بها أو القبض على طبيعتها. ومع ذلك، نحن محاطون بأشخاص يظنّون أنّهم يعرفونها: خبراء سياسة، ضبّاط جيش سابقون، “مستشرقون”، وعلماء — أولئك الذين يعرفون دائمًا، كلّ يوم من جديد. هناك أرقام ومعطيات وخطط ومسارات ـ فالحديث ليس عن كارثة طبيعيّة هبطت بغتة على سكّان العالم، بل عن كارثة معيّنة، ثمرة مبادرة وفعل، لها أهداف وإنجازات. لكن، لانهائيّة الكارثة، عدم قابليّتها للحدّ، اتّساعها واتّساع فعل الخراب فيها — “يُدمّر كلّ شيء فيما يترك كلّ شيء خرابًا” — كلّ ذلك يصعب إدراكه.
السؤال هو كيف نعيش على مقربة من كارثة غزّة، الكارثة التي تخلقها الدولة التي نحن مواطنوها، والتي ينفّذها جيش منفلت تدعمه جماعة آخذة في التوحّش؛ كيف نعيش إلى جانب الموت، وأيّ نمط من الحياة يمكن الحفاظ عليه. هو سؤال وجوديّ وأخلاقيّ، وإلى جانبه — دائمًا إلى جانبه، لا منفصلًا عنه — سؤال معرفيّ: كيف نفكّر في الكارثة ونبحثها، ونحن على تماسّ بها، وفي أثناء حدوثها، ومن موقع ملوَّث بها ومتأثّر منها. فرغم التوسّط الإعلاميّ وتقنيّات الإنكار والإخفاء، تبقى الكارثة التي تُنزلها إسرائيل على غزّة جزءًا من نسيج حياتها، قريبة منها، تُبطل الحدود بين بعيد وقريب. ولا بدّ من محاولة معرفة شيء منها، شيء عنها، وأن نواجهها بنظرة مباشرة ونمكث في حضرتها.
تناول العددان السابقان من نظرية ونقد، بصورة واسعة، الكتابة عن كارثة حرب الإبادة على غزّة. مع اندلاع الحرب، وفي ذروة الصدمة التي اعترتنا جميعًا، أبناء وبنات هذه البلاد، وفي أثناء تحوّلها وتدهورها إلى مذبحة بلا حدود، وأمام حرب منفلتة وعديمة الكوابح، كُتب عدد الطوارئ “نقد الحرب”. أمّا العدد الذي تلاه، “في أسر الحرب”، فكتب في لحظة مختلفة، حين لم يَعُد ثمّة قتال فعليّ، بل حرب أحاديّة متواصلة بلا توقّف، عدا وقف إطلاق النار القصير الذي نقضته إسرائيل، وحين راحت أبعاد الكارثة تتّضح تباعًا — كارثة غزّة، كارثة إسرائيل في غزّة. تحوّلت الصدمة الأولى إلى صدمة ممتدّة، وفي ظلّها تجسّدت خطّة اقتلاع الفلسطينيّين، وتهجيرهم وتجويعهم أو إبادتهم في غزّة؛ كما تجسّدت التحوّلات السلطويّة والوجوديّة في إسرائيل. سعى العددان إلى تحقيق مهمّة نظرية ونقد بوصفها مجلّة للتفكير النقديّ والبحث النظريّ بالعبرية: كتابة اللحظة الراهنة والقيام بذلك بصورة جدليّة، من داخل اللحظة وضدّها؛ فحص الشروط التي أدّت إلى حرب تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، والتشكّلات السياسيّة وخطاباتها، من دون الانجرار إليها، والوقوف في وجه انجراف المجتمع الإسرائيليّ، بأطيافه المختلفة — بما في ذلك الأكاديميّة — نحو اليمين.
بخلاف العددين السابقين، لا يضع هذا العدد كارثة حرب الإبادة في غزّة في مركزه. يضمّ العدد مقالتين تتناولان الحرب، إلى جانب مجموعة من المقالات التي تعالج قضايا أخرى. ويمكن فهم ذلك كنوع من التراجع المؤقّت عن الكتابة المباشرة عن الكارثة، في محاولة لمعايرة الأدوات والمفاهيم للعودة إليها من جديد؛ أو ككتابة أكاديميّة، وإن نُسجت على مقربة من الكارثة وكتبت إلى جانبها، إلّا أنّ قراءتها الآن لا تنفصل عنها. هذا العدد ليس في قلب الحرب، بل على حافّتها، لكنّه واقع في دائرة ظلّها وتحت وطأة تهديدها.
***
يفتتح هذا العدد مقالٌ مشترك لرافي غروسغليك، أريئيل هندل ودانييل مونتريسكو، ويتناول الشغف بـ”البلديّ” — بما هو أصيل، محلّي، شعبيّ — في الثقافة الغذائيّة الإسرائيليّة-الفلسطينيّة المعاصرة. يتتبّع الكتّاب تحوّلات المفهوم، من فنون الطبخ في العصور الوسطى، مرورًا بالزراعة الحديثة في الحقبة العثمانيّة، وصولًا إلى أسواق الغذاء الصناعيّة والمُسلّعة في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، ليُظهروا عمله كمفهوم حدوديّ متعدّد الأوجه، يحمل طبقات من البساطة والتعقيد، من القوميّ والشعبيّ، من الدونيّة والمَرغوبيّة؛ مفهوم يتنقّل بين معانٍ مختلفة ويبقى عصيًّا على الترجمة. ولذلك، يتطلّب البحث فيه — بحسب الكتّاب — قراءة نقديّة من مستوى ثانٍ: قراءة تتجاوز الفصل بين الحقيقيّ والمُتخيَّل، بين الأصيل والمُستولى عليه، بين الأصليّ والوافد، وتفحص تشكّل “البلديّ” من داخل تماسّ بين مجموعات تعيش في صراع، ومع ذلك تُنتج علاقات انعكاس مرآتيّة. وهكذا، فإنّ التبنّي الإسرائيليّ المتلهّف للبلديّ في العقود الأخيرة — عبر تسليعه وتجريده من محموله السياسيّ وتحويله إلى “شِيك” — ولّد سلسلة من الأصداء والردود في الثقافة الغذائيّة الفلسطينيّة: كعلامة مقاومة، أو كرمز لتجارة عادلة، أو كدلالة على غذاء جدير؛ علامة أصيلة وفي الوقت نفسه سلعة قابلة للتداول. يتنقّل المقال بين تاريخ المنطقة، وإثنوغرافيا المحاصيل الزراعيّة الفلسطينيّة المعاصرة، وتحليل مفهوميّ، ليُظهر كيف يمكن لصفة واحدة — لا لحكاية أو مادّة — أن تُمسك بتاريخ هذا المكان، بشقوقه ولُحماته.
تتوجّه معيان كيرن راڤيه إلى اللاهوت المسيحيّ–الفلسطينيّ، وتعرضه كمسار لاهوتيّ–سياسيّ، وإن كان أقلّيًا، إلّا أنّه ذو أهميّة وقوّة، في نقطة التقاء بين بلورة الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة تحت الاحتلال، وبين تشكيل هويّة روحيّة داخل خطاب مسيحيّ عالميّ. لقد أضحى هذا اللاهوت على أثر تطوّره، منذ الانتفاضة الأولى وحتى اليوم، صوتًا فريدًا يتمايز عن القوميّة العلمانيّة من جهة، وعن اليقظة الإسلاميّة من جهة أخرى. لكن ما يتجاوز تقاطع الهويّات هو أنّ راڤيه تُظهر كيف يعمل هذا اللاهوت في تقديم قصص العهد القديم من منظور فلسطينيّ، بما يفتح فجوة بين إسرائيل التوراتيّة ودولة إسرائيل الحديثة، ويحرّر التقليد المسيحيّ من استحواذ القراءة الصهيونيّة عليه. يستمدّ اللاهوت المسيحيّ–الفلسطينيّ إلهامه من لاهوت التحرير المناهض للاستعمار وما بعد الاستعماريّ الذي تطوّر في القرن العشرين في أميركا اللاتينيّة وإفريقيا، مستندًا إلى قيم العدالة والحريّة وحقوق الإنسان. وهو بذلك يسعى إلى توظيف منظومة مسيحيّة عالميّة وشبه كونيّة في خدمة نضال تحرّر وطنيّ، ويقيم صورًا من الذاكرة والشهادة لا تقتصر على القياسات المبسّطة بين الماضي التوراتيّ والحاضر الإسرائيليّ. وفي مواجهة الدعم المسيحيّ الواسع لإسرائيل في الغرب — مثل الإنجيليّين في الولايات المتحدة — ينخرط هذا اللاهوت في حوار مع لاهوت الجنوب العالميّ. وبخلق صلة بين صورة يسوع ودور الكنيسة من جهة، وبين النضال الوطنيّ الفلسطينيّ في الحاضر من جهة أخرى، يمكن لهذا اللاهوت أن يصل حدّ تفكيك الحبكة التاريخيّة لما يُسمّى “الثقافة اليهوديّة–المسيحيّة”.
تتوجّه سيغال نِغِر–رون ورعوت راينا بندريهم إلى مدن التطوير في جنوب البلاد، وتدرسانها بوصفها فضاءات تفاضليّة تتقاطع فيها عمليّات نزع وتراكم للثروة الرمزيّة والاقتصاديّة. تُظهر الكاتبتان كيف تعمل الدولة على تفعيل منطقَيها التأسيسيَّين — المنطق القوميّ–الدينيّ والمنطق المُعَنْصِر — حتى في العصر النيوليبراليّ. يركّز المقال على نظام التعليم العالي والتحوّلات التي شهدها في العقود الأخيرة: افتتاح الكلّيات العامّة، وأكدَمة التعليم الدينيّ، ويقدّم قراءة مقارِنة لمؤسّستين تعليميّتين: معهد النساء المتديّنات في متسبي رامون، والكلّية الأكاديميّة “سبير”، حيث تُشكّل النساء الشرقيّات غالبية الطالبات. يُظهر المقال أنّه بينما تتلقّى نساء التيّار الدينيّ–القوميّ (الحرَدَليّ) في المعهد تعليمًا مناسبًا لطرائق حياتهنّ ورؤيتهنّ للعالم، ويُساعدهنّ في إيجاد عمل وتحقيق حراك اجتماعيّ–اقتصاديّ، تواجه النساء الشرقيّات تعليمًا غير مُصمَّم لهنّ، ومناهج بعيدة عن عالمهنّ القيميّ؛ وأنّ الشهادة الأكاديميّة التي ينلنها، بعد جهد كبير، لا تفتح لهنّ أبواب سوق العمل في الغالب. وهكذا يتكوّن — وفقًا للكاتبتين — فضاء نيوليبراليّ غير متجانس، تستند فيه “الأنوية الدينيّة” الوافدة إلى دعم مؤسّساتيّ، وتترسّخ على حساب السكّان الشرقيّين القدامى. منطق الدولة راسخ، والعلاقات الهرميّة بين الأشكناز والمزراحيم، باقية على حالها رغم التحوّلات الاجتماعيّة.
يتناول مقال أساف ش. بوندي، أيضًا، الحقبة النيوليبراليّة وأبعاد المثابرة والتغيير التي تتضمنها. يوجّه بوندي أنظاره إلى المنظمّات العماليّة في إسرائيل ويُظهر كيف أنّه على الرغم من التنبؤات بتراجع قوتها واختفائها في عصر الخصخصة، الريادة الشخصيّة والأعمال المؤقتة، في العقدين الأخيرين، إلّا أنّ قوتها زادت وتعزّز دورها كلاعب مركزيّ في الساحة الاقتصاديّة-السياسيّة. يحلّل بوندي كيف تقوم المنظمات العماليّة بذلك من خلال عقد تحالفات جديدة ومفاجئة مثل التحالف بين نقابة العمّال العامة “الهستدروت” وحزب الليكود. تُحدث هذه التحالفات تغييرات في دور العمل المنظّم في إسرائيل: فبينما اعتمد في الماضي على التحالف التاريخيّ بين أحزاب اليسار والمنظّمات العماليّة، يرتكز اليوم على منظومة حمائيّة تعتمد على مصالح عينيّة مشتركة بينها وبين النظام اليمينيّ الشعبويّ الحاكم. هكذا، يصير بالإمكان توزيع موارد بمجالات معيّنة من خلال شَنّ سياسات نيوليبراليّة وتفكيك مؤسّسات الدولة. ترتكز زيادة قوّة المنظّمات العماليّة إلى التحاقها بالهيمنة الجديدة التي تفكّك المنظومة العموميّة وتدهوّر التماسك الاجتماعيّ.
يعود أفرهام فاوست إلى القضيّة التي أثارت ضجّة في حقل بحث الآثار في إسرائيل قبل ثلاثة عقود: سؤال الوجود التاريخيّ للمملكة الموحّدة — مملكة شاؤول وداود وسليمان. لم تبقَ هذه الخلافات محصورة في حدود البحث العلميّ، بل اندفعت إلى قلب المجال العامّ الإسرائيليّ ولامست الأعصاب الحسّاسة للوجود اليهوديّ في أرض إسرائيل. يقوم فاوست بـ”ترتيب الأوراق” في هذه القضيّة ويعرضها في ساحتيها — العلميّة والجماهيريّة؛ ويشرح التحدّي الذي طرحته المدرسة “التقليليّة”، والتحوّل في التأريخ و”الكرونولوجيا المنخفضة” التي اقترحتها، والجدل الذي دار معها والتغييرات التي قامت بها لاحقًا، وكذلك تأثيرها الكبير على دراسات الكتاب المقدّس، التي تبنّت في كثير من الأحيان مقاربتها المتشكّكة تجاه وجود المملكة الموحّدة. وفي موازاة ذلك، يصف فاوست الأبعاد الجماهيريّة والاجتماعيّة لهذا الخلاف، الذي جرى كلّه داخل الخطاب الصهيونيّ من دون أن يحرّك حدوده، لكنّه أشعل الخيال وأثار أسئلة تتعلّق ببعض مسلّمات الأساس حول وجود إسرائيل القديمة. يسعى فاوست إلى قراءة الخطاب العلميّ في سياقه الاجتماعيّ، لكنه يشدّد في الوقت نفسه على ضرورة عدم اختزال الموقف العلميّ إلى موقف سياسيّ. ويؤكّد مقاله على استقلاليّة نسبيّة للرؤى العلميّة وللجدل الدائر حولها، وعلى التحويرات التي تتعرّض لها حين تنتقل إلى الحقل العامّ.
***
بعد المقالات الأكاديميّة، تظهر في هذا العدد مقالتان مطوّلتان تتناولان الحرب التي لا تنتهي في غزّة، الحرب التي بلغت الآن مرحلة التجويع والإبادة الجماعيّة. يعيد أورِن يفتَحئيل فحص الإطار الكولونياليّ لتحليل إسرائيل/فلسطين في أعقاب مجزرة السابع من أكتوبر، وفي مواجهة الاعتراضات التي طُرحت بعد ذلك على نموذج الكولونياليّة الاستيطانيّة. يسعى يفتَحئيل إلى توسيع هذا الإطار وصقله، وإدخال تمايزات مفهوميّة إليه وتخليصه من التبسيط والمقاربات الأخلاقيّاتيّة. ويقترح “بنية ثلاثيّة”، يُضاف فيها إلى الإطار الكولونياليّ كلٌّ من الصراع الجيوسياسيّ بين المحاور الدوليّة المختلفة، والصراع الإثنوقراطيّ داخل إسرائيل. يرى يفتَحئيل في الصهيونيّة حركة معقّدة، كولونياليّة وقوميّة في آنٍ واحد، تجمع بين “استعمار اللاجئين” و“استعمار القامعين”، وقد مرّت بتطوّرات متعاقبة حتى بلغت مظهرها الوحشيّ في العامين الأخيرين. وهو يميّز بين التحرّر من الاستعمار بوصفه مشروعًا للتحرير وتصحيح المظالم التاريخيّة ومنح السكّان الأصليّين حقوقًا كاملة ومساواة مدنيّة، وبين الاستعمار المضادّ بوصفه مشروعًا سلطويًا يسعى إلى إخضاع مجتمع المستوطنين أو حتى القضاء عليه. تردّ هذه المقالة التحليليّة–التاريخيّة بميزان ورصانة على الادّعاءات التي تزعم أنّ البحث في إطار الكولونياليّة الاستيطانيّة أو مناصرة النضال الفلسطينيّ من أجل التحرّر تعني تبرير كلّ فعل عنف أو دعم “النضال بكلّ الوسائل”. وتختتم المقالة برسم رؤية بديلة لوجود فلسطينيّ-إسرائيليّ مشترك في الحيّز الواقع بين النهر والبحر، رؤية قد تبدو بعيدة جدًّا عن الواقع النازف، لكنّها تشير إلى إمكان لمستقبل آخر.
تسأل عماليا ساعَر كيف وصل المجتمع الإسرائيليّ إلى وضع ينفّذ فيه إبادة جماعيّة في غزّة. في مقالة أنثروبولوجيّة–تحليليّة نفسيًّا، تقترح ساعَر تأمّلًا في مفهوم الحقارة (البذاءة)، وترسم من خلاله المسار الذي توقّف فيه الفلسطينيّون عن الوجود بوصفهم موضوع رغبة للذات الجماعيّة الإسرائيليّة — موضوع التوق والقلق الذي يعرّفها ويحرّكها — وتحولوا إلى موضوع حقارة (abject) بالنسبة إليها: وجود حقير ومنفّر يُلقى خارج كلّ منظومة إنسانيّة. تدّعي ساعَر أنّ الانقلاب السلطويّ والحرب بلا نهاية قد حطّما التوتّر القائم داخل الجماعة الإسرائيليّة بين مكوّناتها الديمقراطيّة ومكوّناتها الإثنيّة؛ توتّر يُحسم الآن عبر رؤى الإبادة والتطهير الإثنيّ في غزّة والضفّة الغربيّة. بالنسبة للإسرائيليّين، كما تكتب ساعَر، لم يَعُد الفلسطينيّون موضوعًا يمكن إخضاعه لعملية جعله ذاتًا، أو إدخاله في علاقة تأسيس متبادلة معهم؛ لقد أصبحوا بذيئين ولا–إنسانيّين. لكن نتيجة ذلك أنّ الذات الإسرائيليّة تنهار هي أيضًا إلى حالة من الحقارة، حالة تتضرّر فيها قدرتها الأخلاقيّة، وتتراخى فيها قدرتها على التفكير، وتُفقَد إنسانيّتها. تتساءل ساعَر عن كيفيّة قلب هذا المسار، وعن إمكانيّة ترميم الذاتيّة (“السوبجيكتيفيّة”) الإسرائيليّة وإعادة تأسيس علاقة جديدة مع الفلسطينيّين. ولتحقيق ذلك، سيكون لزامًا التخلّي عن أوهام الحلول الحاسمة والنهائيّة، واستعادة فضاءات ملتبسة، غير مستقرّة، متوتّرة، تحتوي تناقضات داخليّة من دون حسمها.
يُختَم هذا العدد بترجمة فصل من كتاب السياسة الثقافيّة للعاطفة للفيلسوفة والباحثة الثقافيّة سارة أحمد، وهو كتاب ذو تأثير واسع نُشر لأول مرّة قبل عشرين عامًا. يتمحور الكتاب حول مقاربة مختلفة للعواطف — لا بوصفها منظومة سلوكيّة من الإحساس والإدراك والاستجابة، ولا كمنظومة نفسيّة خالصة. فالعواطف، بحسب أحمد، تخلخل العلاقة بين الداخل والخارج لأنّها تتشكّل من الاحتكاك: بين الناس، وبين الناس والأشياء والبيئة؛ وهي تُنتج أسطحًا وحدودًا، انفصالات وتعلّقات. لا ترى أحمد في العاطفة شيئًا منفردًا، فوريًّا أو مباشرًا؛ إنّها موجودة في حركة، وتُخلق من داخل هذه الحركة — تمرّ، تعبر، تصدر صدى وتنتشر — وبهذا تولّد أثرًا، أي إنّها تنقش ذاتها على “السوبجيكت”، تُدرج نفسها في الجسد وتحدّد موقعها فيه. يقدّم كتاب أحمد، إذًا، قراءة فينومينولوجيّة لوقائع اجتماعيّة ملموسة، ولحركات العاطفة التي تكمن في صلب الحركات العنصريّة والقوميّة النيوليبراليّة. ومن بين فصول الكتاب، التي تتناول الألم والخوف والاشمئزاز والحبّ، اخترنا ترجمة الفصل الذي تخصّصه أحمد للكراهيّة، وفيه تحلّل الانقلاب الكامن في أساس الكراهية: تكليف الذات نفسها بمهمة الحبّ — الحبّ للأمّة أو للجماعة المتماسكة، التي يُنظر إلى اختراق “الغريب” لحدودها بوصفه تهديدًا لها. تُظهر متابعة القلق المتعلّق بالإيذاء والتدنيس الكامن في أساس الكراهية — قلق يتورّط في مخيال لا ينضب — حركة العاطفة المصنوعة من الفانتازيا، ومن الإسقاط، ومن التشبّه والانفصال. كتبت ڤيرد ميمون مقدّمة للترجمة، تضع فيها كتاب أحمد بوصفه نصًّا محوريًّا في نظريّات التأثير (affect theories)، وتعرض مساراته الأساسيّة. وتصف صورة أحمد العامّة الفريدة — باحثة انسحبت من الأكاديمية المؤسّسيّة لتعيش خارجها، تُحاضر في أنحاء العالم، وتكتب كتبًا نظريّة رشيقة، وتنشر أدلّة نسويّة واسعة الانتشار. في ختام مقدّمتها، تسأل ميمون كيف يمكن لحركة الكراهية التي ترسمها أحمد أن تساعدنا في فهم الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزّة، وفهم موافقة الجمهور عليها: مقدار التعلّق بجرح الجسد القوميّ، والانغماس في اختراق “الغريب” لحدوده — اختراقه الواقعيّ أو المتخيّل؛ والحبّ للجماعة التي تقف في قلب الكراهية التي تلتهم مَن يُنظر إليهم كتهديد لها.
[1] Maurice Blanchot, L’Écriture du désastre, Paris: Gallimard, 1980