ما هو مغزى عالَم ما بعد-رأسماليّ؟

البروفيسور شمعون أداف | 25.07.2023 | تصوير: Unsplash

מהי המשמעות של עולם פוסט־קפיטליסטי?

حول جدول أعمال جديد، ومجموعة البحث التي تأسّست في المعهد

في بداية العام 2021، وفي الهزيع الأخير من أيّام إغلاقات الكورونا والتحوُّلات التي أدخلها هذا الوباء على روتين الحياة والعمل، اجتمعنا كي نرسم خطوطًا عريضة لواقع ما بَعد-رأسماليّ بإدارة د. كفير كوهين لوستيـﭺ، وكانت مجموعتنا واحدة من مجموعات البحث في معهد ﭬـان لير التي انغمست في تطوير فكرٍ ما بَعد-رأسماليّ. ضمّت المجموعة أربعة أعضاء؛ أديبتَيْن وأديبَيْن: ميخال ساﭘـير؛ تهيلاه حكيمي؛ أساف ﭼـﭬـرون وكاتب هذه السطور. هدفنا المتمثّل في رسم الخطوط العريضة لم يَعْنِ بالضرورة وضع أنموذج لتنظيم اجتماعيّ _ اقتصاديّ _ سياسيّ ملموس، بل سعينا إلى صبّ الأسس لأدب تحصل أحداثه في مستقبل قريب، أدب تحرّرَ من الآليّة المستنزِفة والـمُهلِكة لاقتصاد السوق الحرّة المنعدم الضوابط.

بَيْدَ أنّه قبل أن نتوجّه إلى العمل الأدبيّ، كان علينا أن نَسْبر أغوار المصطلح الأساسيّ "ما بَعد-الرأسماليّة"، وهو من تلك المصطلحات التي تثير التساؤل (إن لم نقل النفور وعدم الثقة) حول إمكانيّة ترجمته إلى نهج حياة قابل للتحقيق، لكن مراجعته عن كثب جعلته حيويًّا ومطلوبًا.  يجتَرح المفهوم الأوّل والواسع للمصطلح من الاسم نفسه: نظام اقتصادي ينمو من الرأسمالية ويرثها. لكن هذا لا يعني أن كلّ نظام اقتصادي يستبدل الرأسمالية ينسحب عليه تعريف "ما بعد رأسمالي". وقع اختيارنا خلال المداولات على مفهوم ضيق أكثر للمصطلح، نظام اقتصادي يتكئ على إجراءين مركزيين انبثقا عن الرأسمالية، ويعجّلان نهايتها لصالح نظام اقتصادي أكثر عدلا، وأكثر مساواة.

 

بدائل لعالَم آخِذ في الأفول

الإجراء الأوّل هو التعجيل في تطوير تكنولوجيات تجعل أجزاء واسعة من الأعمال التي ينغمس فيها الناس غير ضروريّة، إن كان ذاك من خلال الـمَكْنَنَة أَمْ من خلال الرَّقْمَنة والذكاء الاصطناعيّ. بمقدور تطوير وسائل الإنتاج وتجويدها أن يضمنا ما يسمّى بـِ "مجتمع الوفرة"، لكنّه في الوقت ذاته يقلّص القوّة البشريّة العاملة المطلوبة لتشغيل وسائل الإنتاج هذه. في الوقت نفسه، فاعليّة وانتشار الخدمات الطبّيّة أَفْضيا إلى إطالة عمر الإنسان، وإلى زيادة عدد سكّان العالم.

الإجراء الثاني هو أزمة الـمُناخ، والاستغلال الشرس لموارد الطبيعة باسْم مبدأ الربح الذي تعمل الرأسماليّة العالميّة وَفقًا له، والكوارث البيئيّة التي خلقتها، وانحسار المناطق اللائقة لعيش الإنسان، وحركات الهجرة الكبيرة التي تمخضت عن ذلك.

يبدو أنّ التهيُّؤ الوحيد للتعامل مع هذه الإجراءات هو الفصل التامّ بين العمل وترزُّق الأفراد في المجتمعات الجديدة، وهو فصل يستوجب ابتكار طرائق اقتصاديّة جديدة يكون الاعتبار المركزيّ هو الوعي البيئيّ مبدأ الربح، والتفكير المجدَّد حول ترتيبات سياسيّة وقوميّة.

غصنا في هذه القضايا الشائكة بعزيمة وشغف؛ إذ ما الذي يرفع المعنويّات أكثر من التفكير في بدائل أفضل لعالَم آخِذ في الأفول التدريجيّ باكفهرار وكراهيَة، ممتلئًا بإشارات آخرويّة.

 

2066: رسم معالم الواقع الجديد

قمنا على امتداد عام كامل بعمليّة استشفاف واستيضاح لواقع ما بَعد-رأسماليّ يجري تأسيسه في منطقتنا في العام 2066، والشروط والظروف التي تحوِّل هذا الواقع من نظريّة مغرية إلى واقع ملموس. بدأنا عملنا بتخطيط نظام جيو-سياسيّ بديل في منطقتنا، منطقة الشرق الأوسط، وفي توحيدها الحتميّ إلى كيان واحد، ومن ثَمّ تقسيمها إلى ألوية، وكيانات مجتمعيّة ذات سيادة ذاتيّة تقدِّمُ التقارير لسقفها الحاكم، ألا وهو "مجلس اتّحاد الشرق الأوسط".

من هناك انتقلنا إلى التداول بشأن مسائل اقتصاديّة كانت المركزيّة من بينها: كيف نكفل أجرًا أساسيًّا عامًّا لكلّ عضو/ة في الكيان السياسيّ؟ وكيف نضمن مسكنًا مجّانيًّا لجميع المحتاجين؟ وكيف لا يجري قمع قوى الإبداع وريادة الأعمال، على الرغم من تخليصها من المنافَسة اللانهائيّة التي تشكّل حجر الأساس للوجود الرأسماليّ؟

الإجابة التي حصلنا عليها هي أنّ هذا الواقع يحتاج الى اقتصادَيْن: اقتصاد البنْية التحتيّة الذي تتحدّد فيه احتياجات الجمهور من خلال استفتاءات شعبيّة، ويجري تقسيم ساعات العمل المطلوبة لتوفيرها بالتساوي بين أعضاء الكيان السياسيّ؛ واقتصاد خاصّ يتركّز على رأس المال وعلى ريادة الأعمال لمواطِنات ومواطني الكِيان السياسيّ. ثمّة عمليّة تبادُليّة متواصلة بين الاقتصادَيْن العامّ والخاصّ. المبادَرات الخاصّة التي ثَبَتت ضرورتها لاحتياجات المجموعة تتحوّل إلى جزء من اقتصاد البنْية التحتيّة، ويجري تمويلها من الموارد العامّة، بينما تجري خصخصة بعض المكوِّنات في اقتصاد البنْية التحتيّة التي ثبت أنّها غير ضروريّة. حسمنا الأمور كذلك في مسألة مشاريع التطوير التكنولوجيّ التي نستخدم نواتجها الجنينيّة في الحياة اليوميّة، وثمّة احتمال كبير أن تشكِّل هذه المشاريع قاعدة لتدبُّر الواقع الجماعيّ المشترَك الذي بحوزتنا.

اربع روايات ما بعد-الراسمالية
اربع روايات ما بعد-الراسمالية

أبحرنا بعدها نحو تخبُّطات لا تقلّ إلحاحًا؛ نحو أسئلة البنْية العائليّة، والهُويّة، والجندر، والدين، والجنسانيّة، وطبيعة الإنسان، ومسائل لغويّة. هنا توقّفنا، إذ بدا لنا أنّ غريزتنا الأدبيّة تستيقظ في هذه المسائل، أي الدافع لمراجعة هذه المسائل على نحوٍ غير مجرَّد، بل من خلال ترجمتها إلى شخصيّات حيّة وصراعات ملموسة، وتقصّي الاستحقاقات النفسيّة والوجدانيّة لهذه الصراعات.

في هذه النقطة افترقنا، ورجعنا إلى كينونتنا المنفصلة. مضى كلّ واحد وواحدة منّا إلى خلوة، لكتابة رواية قصيرة تدور أحداثها في الواقع المشترَك، وفي صُلبها توضع المسائل الأكثر إلحاحًا والتي تقضّ مضجع كلّ واحد وواحدة منّا على الصعيد الشخصيّ، في حياتنا الراهنة أيضًا، وَفْق ميولنا وأذواقنا المتفرّدة. لم يكن مفاجِئًا أنّنا نحن الأربعة اخترنا مَوْضَعة قصصنا في منطقة ضفاف نهر الأردن (إسرائيل، وفلسطين، والأردن، وأجزاء من لبنان وسوريا المعاصرتَيْن). كان من الواضح لنا جميعًا أنّ الجدوى من أعمالنا لم تتمثّل في الدعوة إلى فكرةِ ما بَعد-الرأسماليّة، ولم نكن ننوي تحويلها إلى مدينة فاضلة ساذجة. على أعمالنا الأدبيّة أن تتصرّف كأدب الخيال التأمُّليّ بكلّ ما يحمل هذا المصطلح من معنى، وأن ندرك أنّه ثمّة أجزاء في الطبيعة البشريّة لن تتغير، وأنّ أجزاء أخرى هي ثمرة التربية، وشروط الوجود، ومنظومة معتقدات الفرد، وأن نكون متأهّبين للعلاقات المتوتّرة بين مختلِف الأجزاء، وأن نقوم من خلال هذا التأهُّب بضخّ المزيد من القوّة إلى ملموسيّة النظام الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ الذي تختلف فرضيّاته الأساسيّة اختلافًا جوهريًّا عن الفرضيّات التي اعتدنا أن نتقبّلها على أنّها أمر حتميّ.

في شهر حزيران المنصرم (2023)، أُجرَيتْ في مكتبة ريدينـﭺ في تل أبيب أمسية قراءة ونقاش للروايات القصيرة الأربع، وقرأ مؤلِّفوها مقاطع منها وتحدّثوا عن مسارِ العمل، والروابطِ، والتأثيراتِ المتبادلةِ، والتوتُّراتِ بين العمل الجماعيّ والكتابة الشخصيّة، والأفكارِ والأحاسيسِ التي رافقتهم على امتداد المسار. تحدّث المؤلّفون كذلك عن واقع ما بَعد-الرأسماليّة والحاجة الملحّة إلى أدب يسعى إلى خلق التغيير في العالم.

وها هي المؤلّفات التي أنجبها المشروع: إخفاق في الذاكرة: من تأليف شمعون أداف؛ الإسمنت (ثمّة تلاعب لفظيّ باسم الكتاب بالعبريّة؛ إذ باستخدام علامات شكل معيّنة يمكن للقارئ أن يقرأ الكلمة بمدلولها كـَ "إسمنت"، لكن من خلال استخدام علامات شكل مختلفة يمكن كذلك قراءتها على أنّها "هاملت" الأمير الدنماركيّ في مسرحيّة شكسبير الشهيرة التي تحمل هذا الاسم (ملاحَظة من المترجم): من تأليف أساف ﭼﭬـرون؛ مقثاة واحدة: من تأليف تهيلاه حكيمي؛ نضال دؤوب: من تأليف ميخال ساﭘـير. يمكن شراء جميعها عبْر الموقع.

  لشراء الكتب الأربعة برزمة واحدة وسعر مخفَّض >

الانضمام الى القائمة البريدية