التماسك الإسرائيليّ في ظلّ الحرب

د. يوئيل شـﭘـيتس | 14.04.2024 | تصوير: Unsplash

أفكار على ضوء لقاء منتدى "ما بعد المخيِّلة الليبراليّة"

مجتمع بدون تعريف

"سِمْحاتْ تُوراه"؛ "شميني عاتْسِيرِت"؛ "السبت الأسود"؛ السابع من أكتوبر؛ المجزرة؛ الهجوم المباغت. تلك هي المسمَّيات المختلفة التي يسعى كتّاب ومتحدّثون أن يصفوا بواسطتها اليومَ الذي افتَتح الحرب الحاليّة، وهو يوم لم يُعثَر له على اسمٍ بعد. ربّما ليس من قَبيل المصادفة أنّ الحرب المستعرة من حولنا لم يُعثَر لها بعد على اسم. الصعوبة في منح اسم وملصَق وتعريف هي إحدى العلامات الفارقة لِما يخوضه المجتمع الإسرائيليّ في هذه الأزمنة.

كثيرون تحدّثوا عن تحطيم أنماط تفكيريّة، وعن محاسَبة الذات، لكن يبدو أنّ الأمور تسير خطوة إلى الأمام؛ إذ إنّه -على ما يبدو-لا تُفْلِح الكلمات نفسها في الإمساك بما يحصل والتعبير عنه. ثمّة لحظات يكون فيها الواقع أكبر من الكلمات والكتابة، فيقف المرء إزاءها حائرًا، وعاريًا من المفاهيم والتعريفات.

لهذه الحرب أصداء كثيرة؛ فقد أثارت مراجعةً ذاتيّة بشأن مسائل أمنيّة وجيوسياسيّة، وقوّضت ثقة الجمهور (المتصدّعة أصلًا) بالقيادة وبمؤسَّسات الدولة، وزعزعت تصوُّر الهُويّة لدى الكثير من اليهود، في دولة إسرائيل وخارجها.

في المؤتمر الذي عُقِد في السادس والعشرين من تشرين الثاني في إطار منتدى "ما بعد المخيّلة الليبراليّة"، سعَيْنا إلى التركيز على قضيّة محدّدة نعتقد أنّها تستدعي نقاشًا عاجلًا على ضوء الحرب، وهي مسألة التضامن أو تماسك المجتمع الإسرائيليّ في ظلّ الحرب وبعدها.

لقاء المنتدى حول موضوع "الشعبوية"
لقاء المنتدى حول موضوع "الشعبوية"

التضامن المدنيّ في ظلّ الحرب

إلقاء نظرة على مسألة التضامن المدنيّ من منظور الحرب يكشف النقاب عن التغيير الهائل الذي طرأ على الخطاب الجماهيريّ العامّ؛ لقد تميّز العام الذي سبق الحرب بشرخ عميق في اللغة المدنيّة الإسرائيليّة، وبرزت على امتداد هذا العام فجوات بين المسوِّغات المنطقيّة للشرائح المختلفة في المجتمع ورؤاها. مسار التفكُّك والتفتُّت كان جذريًّا إلى درجة جرى فيها ذبح الكثير من الأبقار المقدَّسة في هذا العام. واعتدنا -في ما اعتدنا- الاستماع إلى الأصوات التي تتحدّث عن رفض الانخراط في خدمة الاحتياط العسكريّة، وعن تحطُّم أخلاقيّات (إتوس) الأُخُوّة اليهوديّة ("لا تنادِني أخي")، وحول فكرة الكيانات السياسيّة المنفصلة التي تعمل كلّ مجموعة فيها وَفق منطقها المدنيّ ورؤاها الاجتماعيّة.

في المقابل، منذ لحظة سماع دَويّ الانفجارات في صباح عيد "سِمْحاتْ تُوراه"، بدا أنّ هناك تغييرًا شبه قطبيّ في المزاج العامّ في إسرائيل؛ إذ دفع الإحساسُ بالتهديد والخوفُ الوجوديّ نحو حالة أخذ فيها رجال ونساء كانوا في خضمّ نضال هُويّاتيّ حادّ ومرّ وطويل يتعاونون في أنشطة دفاعيّة، وهجوميّة، ومدنيّة، من أجل مواجهة التهديد، وما زال هذا المسار في أَوْجِه. في المقابل، أخذ في الظهور خطاب شخصيّ ومجتمعيّ وجماهيريّ حول الصحوة من مفاهيم شكّلت عائقًا أمام التعاون المدنيّ في إسرائيل.

هذا المسار بادٍ للعيان في الشبكات الاجتماعيّة: إذ كتب يهود علمانيّون حول ارتباطهم المتجدّد باليهوديّة أو بالمصير اليهوديّ، وكتب يهود يساريّون حول خيبة أمل شديدة من حَمَلة راية النضال لتحرير فلسطين ومن حركات جماهيريّة ناشطة في الغرب. وكتب أفراد ينتمون إلى اليمين عن صحوتهم من وَهْم الفكرة التي مُفادُها أنّ حكومة تتشكّل من أحزاب اليمين فقط هي القادرة على توفير الأمن لمواطنيها، وعن خيبة أمل كبيرة من ممثّليهم؛ وطلب مواطنون حاريديّون الالتحاق بالقوّة المقاتلة في الجيش الإسرائيليّ، وتجنَّدَ بعضهم فعليًّا؛ وانضمّ العديد من المواطنين العرب والبدو إلى المجهود المدنيّ، وأطلقوا تصريحات حول المصير المشترَك مع اليهود في هذه الحرب. إذًا في الإمكان أن نحدّد بدرجة كبيرة من اليقين أنّ الحرب قد أثارت تضامنًا مدنيًّا في إسرائيل.

بَيْدَ أنّ النقاش في المنتدى أظهر أنّ الصحوة المتجدّدة للتضامن هشّة؛ وذلك أنّ "لغات الـمُواطن" التي تؤسّس هذه الصحوة متباينة في جوهرها، وتحكي روايات مختلفة ومتنوّعة حول الـ "معًا" الإسرائيليّ. المجموعات الإسرائيليّة المختلفة تشحن الـ "معًا" بقِيَم مختلفة، وتتعامل مع التهديدات الموجَّهة نحو دولة إسرائيل بطرائق مختلفة. لذا، من الطبيعيّ أن تعاود الظهورَ الشروخُ بين التصوُّرات مع مرور الوقت، ومع تطوُّر الأحداث.

لقاء المنتدى حول موضوع "شفرة التماسك"
لقاء المنتدى حول موضوع "شفرة التماسك"

سأوضّح هذا الادّعاء بالمثَل البسيط التالي: دعونا نتخيّل منظّمة تطوُّعيّة يعمل فيها معًا متطوّعٌ حاريديّ، ومتديّن-قوميّ، وعلمانيّ-ليبراليّ، وعربيّ مواطن في دولة إسرائيل. قد يكون التعاون بين أفراد هذه المجموعة فعّالًا وناجعًا، ولا يثير مشكلات خاصّة، لكن لا يجدر بنا أن نتجاهل حقيقة أنّنا لو أجرينا معهم مقابَلات لاستمعنا إلى مسوِّغاتٍ متنوّعةٍ -بل ربّما متناقضة- لأفعالهم.

على سبيل المثال، من المحتمَل جدًّا أنّ المتطوّع المتديّن -القوميّ يتمسّك بمفهوم مواطَنة إثنو-جمهوريّ، ويفسِّر التهديد من قِبَل حماس بمفردات يهوديّة - قوميّة - عينيّة، وبأنّه تهديد للمشروع الخلاصيّ لدولة اليهود، بينما نستطيع الافتراض أنّ المتطوّع العلمانيّ - الليبراليّ يرى أنّ الحرب تشكّل تهديدًا على قِيَم حقوق الإنسان، وتحرّكه صدمة (تراوما) أحداث الكارثة، وينظر إلى الدولة اليهوديّة على أنّها أقرب ما يكون إلى تصوُّر الملاذ الصهيونيّ - الـﭘـراﭼـماتيّ. من الواضح كذلك أنّ دوافع هذَيْن المتطوّعَيْن تختلف عن دوافع المتطوّع الحاريديّ الذي يتحفّظ في الأساس من التعريفات المدنيّة -الصهيونيّة، ويتحرّك بفعل أخلاقيّات الأُخُوّة اليهوديّة، ويتعامل مع التهديد بمفردات يهوديّة توراتية" ("في كلّ جيل يقومون ضدّنا للقضاء علينا"، أو " كراهيَة إسرائيل [أي اليهود] متجذّرة لدى الشعوب").

في الوقت ذاته، ليس ثمّة تشابه بين دوافع وتصوُّرات التهديد لدى هؤلاء الثلاثة الذين يتقاسمون الهُويّة اليهوديّة، وتلك التي يحملها المتطوّع العربيّ الإسرائيليّ الذي يتبنّى موقفًا أكثر تعقيدًا على ضوء تَراصِّ الصفوف الإسرائيليِّ اليهوديِّ، وعلى ضوء أنّ مكانته في رؤى اليهوديّ المتديّن -القوميّ، واليهوديّ -الحاريديّ، وحتّى اليهوديّ -العلمانيّ، ليست واضحة ألبتّة. إحساسه بالانتماء إلى الفضاء الإسرائيليّ يترافق أصلًا مع نوع من الازدواجيّة الدائمة، إذ إنّ الإحساس بالتهديد قد يتّسم لديه بمزيد من التعقيد، فهو يشعر إلى حدّ بعيد بالتهديد من مواطني إسرائيل اليهود كما من أعدائها. في الوقت ذاته، يعتبره الطرفان في الكثير من الأحيان تهديدًا، ويطالبونه بالتعبير عن التضامن معهم ومع ضائقتهم. هذا الموقع يخلق موقفًا ينطوي على مفارَقة، ولا يُحتمل من قِبَل الكثير من مواطني إسرائيل العرب الذين يجدون أنفسهم بين المطرقة والسَّنْدان.

لقاء المنتدى حول موضوع "نحو لغة المخاوف"
لقاء المنتدى حول موضوع "نحو لغة المخاوف"

المجتمَع في الأيّام التي ستلي الحرب: لغة مدنيّة مشترَكة

على ضوء ما ذُكِر أعلاه، يمكننا أن نتوقّع أنّ الرؤى المتناقضة ستُفْضي مرّة أخرى إلى عدم القدرة على تحقيق تعاون مدنيّ، بل حتّى إلى صراعات مُرّة بين الشرائح المختلفة، بعد أن تضع الحرب أوزارها، ويُزال الخطر المباشر. لذا يستوجب العملُ الدؤوب من أجل خلق التضامن المدنيّ أو اللغة المدنيّة (والأخلاقيّة) المشترَكة خلْقَ خطاب عابر للقِطاعات يلامس القاعدة الأساسيّة للحكاية الإسرائيليّة. من هذه الناحية، ربّما تَعْرض حربُ السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل والشرخُ المفاهيميّ الذي خلقتْهُ فرصةً لإعادة فحص ذاتيّة "تحرث" عميقًا في القناعات وَ "القصص المدنيّة"، وتُمكِّن من خلق دوائر هُويّة جديدة، ولا تكتفي بعرض فرصة للتعاون المؤقّت الذي ينبع من الإحساس بحالة الطوارئ.

من الناحية العمليّة، ربّما يتولّد من حالة الطوارئ التي وقعنا فيها اعترافٌ بأنّ الكثير من المجموعات الإسرائيليّة قد وقفت جنبًا إلى جنب عند المِحَكّ. المصير المشترَك دفع إلى الواجهة الأماميّة الشراكةَ في المسؤوليّة المتبادَلة، وعلى أساس هذا الإدراكِ في الإمكان تطويرُ وتوسيعُ المدماك الأوّل والضروريّ للغة مدنيّة مشترَكة وقِوامه الثقة.

لن تترسّخ الثقة المدنيّة إلّا إذا جسّد قادة سياسيّون ومواطنون اعتياديّون في ممارساتهم اليوميّة (لا في زمن الحرب فقط) مسؤوليّةً نشطة تجاه مجْمَل القِطاعات والمجموعات في إسرائيل. قد يتطلّب هذا الإجراء -في ما يتطلّب-تغيير طريقة الانتخابات في إسرائيل التي تخلق سياسات قِطاعيّة واضحة.

في المرحلة الأولى، يبدو أنّ تبنّي عدد من سلوكيّات "لا تَفْعلْ" قد يعزّز الثقة بالمسؤوليّة المتبادلة. على سبيل المثال، قد يستفيد المجتمع الإسرائيليّ إذا لم يمكِّن السياسيّين من تحقيق مكاسب سياسيّة نتيجة خلق التنافر بين المجموعات وتحريض بعضها على بعض. على المجتمع الإسرائيليّ أن يُمْلي على قادته أنّ السلوك الذي سيؤدّي إلى انتخابهم هو ذاك الذي يضع رؤيا واسعة وحكاية مشترَكة تعكس المسؤوليّة تجاه عموم المواطنين، لا غيرُهُ.

امتدادًا لذلك، قد تُمكِّن الحرب والهزّة المفاهيميّة التي خلقتها من نسج مزيج إسرائيليّ يتحلّى بالتواضع والأنفة، ويعترف بالمحدوديّة المفاهيميّة لدى البشر في نزعتهم إلى ارتكاب الأخطاء، وفي قدرتهم المحدودة على فهم بعضهم بعضًا. التواضعُ كخصلة نفسيّة والموقفُ الإﭘـستمولوجيّ يشكّلان نتيجة محتمَلة للحرب، ويبدو أنّ التشبُّث بهما قد يولّد تصوُّرات هُويّاتيّة جديدة لِـ "الأنا" ولِـ "النَّحْنُ" وكذلك لِـ "الآخَر".

 

كاتب المقالة هو د. يوئيل شـﭘـيتس، مركِّز منتدى "ما بعد المخيّلة الليبراليّة" لموضوعة تحدّي الحياة المشترَكة. وقد كتب المقالة في بداية الحرب كتلخيص للقاء المنتدى حول "التماسك الإسرائيلي في ظل الحرب"، وتم نشره على الموقع.

الانضمام الى القائمة البريدية